الأربعاء، 4 مايو 2022

السلطان أكبر

 السلطان اكبر

من الشخصيّات التاريخية الملوّنة والمثيرة للاهتمام شخصية السلطان الهنديّ المغوليّ أكبر . كان هذا الرجل ثالث أباطرة المغول الذين حكموا الهند . وقد سُمّي بأكبر العظيم بسبب انجازاته الكبيرة وحملاته العسكرية التي دعّمت حكم المغول للهند . 

ولد السلطان أكبر عام 1542 ونُصّب إمبراطورا عام 1556 وهو في سنّ الثالثة عشرة . ورغم انه كان وعائلته من السنّة الأحناف ، إلا انه نشأ في بيئة تمقت التعصّب الديني والغلوّ . كان شخصا متسامحا ، كريما وحكيما . وقد عمل على تعزيز روح التوافق والوئام بين المسلمين والهندوس . 

ولا بدّ وأن أكبر تأثّر بأفكار وتعاليم المتصوّفة ، مثل كبير والمعلّم ناناك وحافظ الشيرازي الذي تتحدّث قصائده عن التعاطف والتراحم بين البشر . وبعض من علّموا أكبر في القصر وهو صغير كانوا من الشيعة الذين يبدو أنهم كانوا فوق المشاعر المذهبية . 

كان اكبر محاربا وفنّانا وامبراطورا وقائدا عسكريّا ومروّض خيول ومدرّب حيوانات . وكان يحتفظ بمئات من نمور الصيد في قصره . ومع ذلك ، انتهى به الأمر بأن اعتنق فلسفة اللاعنف وأصبح نباتيّا ينفر من جميع أنواع اللحوم . 

دعا أكبر لفكرة السلام العام ، أي عدم التمييز ضدّ أيّ دين والتركيز على أفكار التعايش والإخاء بين الناس . وقد منع النزاع بين السنّة والشيعة . وظلّت الإمبراطورية في عهده محايدة في مسائل الصراعات الطائفية الداخلية . 

وذات مرّة ، أمر السلطان ببناء دار أطلق عليها "عبادة خانة" أي بيت العبادة ، ودعا إليها رجال الدين والعلماء والمفكّرين . في بداية الأمر ، كانت الدار مقتصرة على المسلمين . لكن عندما دبّ الخلاف بين هؤلاء وتحوّلت نقاشاتهم إلى سباب وشتائم ، قام أكبر بتحويل الدار إلى مجلس للناس من كافّة الأديان ، بل وحتى الملحدين سمح لهم بالمشاركة . فتوسّعت النقاشات وأصبحت تشمل قضايا فلسفية ودينية حسّاسة . 

بعض رجال الدين الإسلامي لم يعجبهم ما حدث ، فأضمروا الحقد على السلطان ، ثم نشروا شائعات كاذبة تقول إن أكبر قرّر الارتداد عن الإسلام ! وصدرت فتاوى من قبل بعض المشايخ والقضاة تصف السلطان بالزنديق ! وبتحريض من هؤلاء الغلاة اندلع تمرّد في شرق البلاد ضدّ نظام الحكم . لكن أكبر تصرّف بحسم وقام بقمع وإخماد ذلك التمرّد على الفور .  


 كان السلطان أكبر يؤمن بأنه ليس من حقّ احد أن يزعم أن دينه متفوّق على أديان الآخرين كي يبيح لنفسه إقصاء أتباع الأديان الأخرى . 

وانسجاما مع هذه السياسة المتسامحة ، أصدر قرارا يعطي للهندوس الذين سبق وأن اُجبروا على اعتناق الإسلام الحقّ في العودة إلى ديانتهم الأصلية دون مشاكل . ولهذا أحبّه الهندوس وذكروه كثيرا في أغانيهم وصلواتهم . 

وفي ما بعد تزوّج أكبر من أميرة هندوسية تُدعى مريم الزمان . ومرّة أخرى ، احتجّ رجال الدين المسلمون على قراره ، فأقنعهم أنه لم يرتكب خطأ وأن تصرّفه يتّفق مع صحيح الإسلام . وقد اقتنع هؤلاء بحججه ما عدا اثنين . فحكم عليهما بالنفي عامين إلى مكّة كي يتفقّها هناك في دينهما ويعرفا الحلال من الحرام . 

زوجته الهندوسية كان زواجه منها نوعا من الحلف السياسي . إذ كان من عادة حكّام الولايات من الهندوس أن يعرضوا بناتهم للزواج من حكّام مسلمين . وكان هذا أمرا شائعا منذ عدّة قرون . 

وخلافا لعادة بعض السلاطين ، سمح أكبر لمريم بأن تظلّ على دينها وشيّد لها معبدا صغيرا في طرف القصر كي تمارس فيه شعائرها . وزيّن المعبد بصور وجداريات تصوّر كبير الآلهة الهندوسية كريشنا . 

وقد عملت مريم في تجارة التوابل والحرير ونقلت الحجّاج إلى مكّة على سفنها . وأنجبت لأكبر ابنهما جهانجير الذي أصبح في ما بعد سلطانا . وظلّت الزوجة قريبة إلى قلب أكبر حتى وفاتها عام 1623 . كما كانت الوحيدة التي دُفنت إلى جواره إنفاذا لوصيّتها . 

توفّي السلطان أكبر في أكتوبر من عام 1605م . ومن مفارقات التاريخ أنه بعد 76 سنة من وفاته ، قامت جماعة من المتطرفين الحانقين على سياسة أكبر التسامحيه بالإغارة على ضريحه ، فدنّسوا القبر ونهبوا كلّ ما كان يحتويه من ذهب وفضّة وسجّاد .  


.....

جسدت قصة السلطان أكبر بأضخم عمل سنيمائي هندي بعنوان جودا اكبر .. ويعتبر هذا الفيلم من أروع أفلام السينما الهندية


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

صقيع بقلم راتب كوبايا

صقيع  باكورة شباط ……………….. نصوص الثلج ………………… عاصفة ثلجية ،   تنفض عن الشربينة - متراكمات الأغصان! .. صقيع الغربة  على ما دون الصفر  تسطع ال...