الجمعة، 26 أغسطس 2022

من نبض الماضي بقلم عبدو داود

من نبض الماضي
قصة قصيرة 
استقبلنا عمتي وابنتها نيللي القادمتين من الأرجنتين في أواخر القرن الماضي في زيارة ودية لأخيها، أقصد أبي، بعد أكثر من ستين عاما في الغربة. 
 هاجرت عمتي لتتوحد بالزواج مع خطيبها الذي هاجر قبلها...نحن أولاد أخيها لم نكن نعرفها، خلقنا بعدما هي هاجرت...
  قمنا بواجب الضيافة بأكمل وجه، ولائم، واستقبالات، ونزهات، وخلافه... وكل ما أمكننا فعله لإسعادها واسعاد ابنتها... 
الحقيقة هي لم تعرف احداً من اصدقائها القدامى الذين جاؤوا يسلمون عليها، أولئك الذين لا يزالون على قيد الحياة، ولم يهاجروا آنذاك كما هاجر العديدون... كان اصدقاؤها يذكرونها بحكايات الماضي البعيد، بعض الحكايات اسعدتها وأفرحت قلبها... وبعضها ابكتها، تلك التي تحكي عن الجوع والبرد...
ذات مساء، كنا نرتشف القهوة، سألت عمتي كيف ترين (النبك، ريف دمشق) بعد غيابك السنين الطويلة؟ 
ابتسمت عمتي وقالت لا أدري يا عمتي، بالفعل منذ وصلت وأنا أقارن الأمر بذهني، أقصد بين هذا الزمان، وذاك الزمان الذي لا يزال يعيش في داخلي...
 كنا سعداء آنذاك، حياتنا كانت بسيطة متواضعة...حينها لم يكن عندنا تلفزيونات، ولا راديوهات، ولا موبيلات ولا غسالات ولا...ولا... أصلاً الكهرباء لم تكن موجودة عندنا، كنا نستخدم قناديل الكاز للإنارة في الليالي، والحطب للطبخ والتدفئة.
 كنا نبني بيوتنا بأيادينا من قوالب اللبن الترابي الممزوج بسنابل القمح الجافة المكسرة بأسنان النورج على البيادر، ويصبح اللبن صلباً ممانعاً للبرد والحر على حدي سواء، بعكس البلوك الاسمنتي الذي اراه اليوم في بيوتكم، وهذا ناقل قوي للحرارة الخارجية...
كان طعامنا من خيرات أرضنا وما تكرمنا به مواسمنا... أما أنتم تأكلون من الأكياس المعلبة مواداً جاهزة، غير موثوقة ماهيتها تماماً...
كان نعمل في الصيف في الحقول، لتأمين المؤونة الشتوية مثل، القمح، نطحن ونعجن ونخبز على التنور. ونصنع البرغل، والزبيب والدبس، ونقطف الجوز، وخلافه. وكان همنا الكبير هو تأمين الحطب من أجل التدفئة، والتنور. كما تعرف، النبك باردة جدا في الشتاء، في تلك الأيام، لم تكن هناك محروقات متوفرة كما هي اليوم... كنا نجمع الجرزون، 
(أغصان العنب الطويلة التي تم كساحها) وكذلك نجميع اليابس من الشجر لنستخدمه في التدفئة والكانونة...
سألت مستغرباً: الكانونة؟ وما هي الكانونة يا عمتي؟ 
ضحكت عمتي ونظرت الى السماء كأنها تستحضر الماضي، وتنهدت وكأنها تتذكر حدثا مثيراً في حياتها، وقالت: "الكانونة يا عمتي حكاية طويلة، كانت هي صديقتنا في ليالي الشتاء الباردة، وملاذنا لتمضية سهراتنا الطويلة... 
الكانونة عبارة عن طاولة نضعها في منتصف الغرفة، ويوضع المنقل المليء بالجمر المستوي تحتها. نغطى الطاولة بغطاء كبير يغطي أرجلنا المدودة تحت الطاولة الى قرب المنقل. ثم نغطي باقي اجسامنا ببطانيات أو كنزات صوفية وما شابه... 
كانت عمتي تحدثنا وتروي قصتها، كأنها تستجلب الماضي البعيد لتجعله حاضراً معاصراً... وبروعة وصفها جعلتنا نعيش معها في الزمن الغابر، وكأنه لا يزال حياً... وتتابع حديثها وتصف لنا مفروشات البيت آنذاك، قالت: كنا نصنع المفارش من أكياس الخيش ونحشيها بالقش نواتج سنابل القمح المقطعة تحت اسنان النورج، نمد تلك الفرش بجوانب جدران الغرفة، ونضع فوقها مساند مصنوعة بذات الطريقة، ثم نمد عليهما وعلى كامل أرضية الغرفة الحصر، والبسطـ، والسجاد التي كانوا يحيكونها من الخيطان المغزولة من أصواف الماعز والخراف...
 في السهرات، كانت تجتمع العائلة، اهل بيتنا، وغالبا ما يحضرنا زوار من الجيران والأصدقاء من أجل تمضية السهرة، وكم كانت فرحتنا كبيرة عندما نجلس جميعاً على المفارش ويحضرون السهرية المتوفرة من زبيب وجوز ولوز وقضامه صفراء وخلافه... 
وكانت أمتع السهرات، عندما يتواجد بين الموجودين شخص يجيد سرد الحكايات، نسميه الحكواتي... يروى الحكاية، وكنا نتحمس معه وكانت حواسنا مشدودة معه ... كنا نتحمس مع القصة، ونتفاعل مع الأحداث، نتصور الشخوص والحوادث في مخيلاتنا. وكان الحكواتي الشاطر يزيد ويشعب الحوادث ويتوقف عن سرد القصة في مكان شيق، ويقول سنكمل الحكاية في الغد... وكنا نحن
نرجوه أن يكمل ولكنه غالبا لا يفعل، وننتظر عودة المساء التالي حتى يأتي الحكواتي ونعود الى الكانونة والحكاية...
تنهدت عمتي وقالت: وحسرتاه، لقد اضعنا عمرنا في الغربة... 
سألتها طالما كانت حياتكم حلوة كما تصفينها لماذا هاجرتم من النبك الى امريكا وخاصة الأرجنتين.
قالت عمتي: صحيح نحن كنا بحالة ميسورة لكن كانت هناك أسر محتاجة، كان هناك فقر شديد، بعض الناس التي هاجرت كانت تبحث عن الطعام وإنقاذ أسرهم من الجوع والبرد....
يا خسارة عمرنا الذي اضعناه في الغربة، هناك خسرنا فرح الحياة، بينما الفرح الحقيقي هنا في بلدنا وبين أهالينا...
ترقرقت الدموع في عينيها وقالت: بعد ستين سنة في الغربة لا نزال هناك غرباء...
الكاتب: عبدو داود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

مَجازِرُ عَمْرِو بْنِ العاصِ فِي ضَوْءِ تَعَارُضِ المَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ وَالغَرْبِيَّةِ بقلم فُؤاد زاديكي

مَجازِرُ عَمْرِو بْنِ العاصِ فِي ضَوْءِ تَعَارُضِ المَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ وَالغَرْبِيَّةِ لِلباحِثِ فُؤاد زاديكي يُثِيرُ...