خاطِرَةُ رثاءٍ ...
بِحقِّ عَزيزٍ اِنتَقلَ إلـىٰ جِوارِ رَبِّهِ بِكُلِّ هِدُوءِ المُؤمنينَ، وَ طَمْأَنينَةِ النَّفسِ!
(لَكَ ما أَبْكِي.. وَ لا عَبْرَةَ بي ! )
يَنقِلُ "الأََصْمَعيُّ" مِنْ أَمثالِ العَرَبِ -هٰذا المَثلَ- فِي عِنَايَةِ الرَّجُلِ بأَخيهِ
وَ إِيثارِهِ إِيِّاهُ عَلَـىٰٰ نَفْسِهِ، أَي:- أَبْكِي مِنْ أَجْلِكَ وَ لَا حُزْنَ لِي فِي خَاصَّةِ نَفْسِي.
لِمَاذا الدُّمُوعُ؟
نَذْرِفُ دَمعًا عِنْدَ العَواطِفِ الجَيَّاشَةِ - وَ مِنها الحُزْنُ- بِتَحَفُّزِ مَشاعِرٍ قَويَّةٍ لِلجِهازِ العَصبيِّ اللَّا إرادِي.
حِينَمَا يُواجِهُ عَقلُ الإنسانِ مَوقِفًا يَصْعَبُ عَليهِ حِملَهُ؛ يَصدِرُ أمرًا إلـىٰ العَينِ بإفْرازِ دُمُوعٍ كَي تُساعِدُهُ عَلـىٰ تَحمُّلِ ذٰلكَ، وَ قَطعًا لا تَدلُّ دائِمًا عَلـىٰ الحُزْنِ، إنَّمَا عَلـىٰ شِدَّةِ التَّأثُّرِ، فَيظهَرُ أَثرُهُ عَلـىٰ نَفسِ الشَّخصِ بعَلاماتٍ شَتَّىٰ مِنْها.. البُكاءُ، تَبَعًا لِشدَّةِ مَوقفٍ سِلبيٍّ.
وَ مِمَّا يُستَعاذُ مِنهُ.. الحُزْنُ!
لأَنَّهُ يُضعِفُ القَلبَ وَ يُوهِنُ العَزمَ،
وَ يَضرُّ بإرادَةِ المُؤمنِ.. وَ مِنْ أَحَبِّ الأَشياءِ إلـىٰ الشَّيطانِ حُزنُ المُؤمنِ..
{إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة،١٠].
وَ المُؤمنُ الحَقُّ مِمَّنْ تَدمعُ عَينُهُ،
وَ يَحزَنُ قَلبُهُ.. بَيْدَ أَنَّهُ يَقُولُ ما يُرضِي اللهُ تَعالـىٰ وَ يَدعُو بــِ(اللّٰهُمَّ إنَّا لِمَحزُونُونَ فاذْهَبْ عَنَّا الْحَزَنَ!)
دَمعَةٌ.. وَ أُخْتُهَــــا!
بَينَ دَمعَةٍ وَ أُخرَىٰ ألفُ عَبْرَةٍ،
ما اَنْفَكَّتْ تُفارِقُنا مُنذُ الصِّبَا إلـىٰ الكُهُولَةِ، وَ باتَ أحَدُنا يَتشاءَمُ مِنْ ضِحكَتِهِ، وَ تَعتَصِرُ فُؤادَهُ لَمحَةُ ذِكرَىٰ عابِرَةٍ..
ما بالُكُ لَو غادَرَ عَزيزٌ عَليكَ بِلا عَودَةٍ تُرتَجَىٰ، أَو لِقاءٍ ثانيَةً، في أقرَبِ مَحطَّةٍ تَمرُّونَ بها عِبرَ قِطارِ العُمرِ؟
هَيهاتَ إِنَّ المَوتَ ذُو أَسهُمٍ
مَنْ يَرمِهِ يَومًـا بِهـــا.. يُردِهِ!
(علي بن أبي طالب عليه السلام)
الدَّمعَةُ الأولَـىٰ...
فَتًىٰ نَحيفٌ يُحاكِي طُولُهَُ شجَرَةَ البَانِ، اِختارُوهُ أقرانُهُ في الفَصلِ الدَّراسيِّ مُرَاقِبًا لَهُم في الصَّفِ.
اِنبَهَرَ اساتِذَتُهُ بِخُلْقِهِ وَ أَخلاقِهِ، طارَ صِيتُهُ في المَدرسَةِ، صارَ مَضرَبَ مَثَلٍ في أَدبِهِ وَ عِلمِهِ.
وَ ذاتَ مَرَّةٍ..
صَبَّتْ عَينيهِ دَمعًا مِدْرَارًا في أثناءِ إِسْداءِ مدرِّسٍ نَصائِحَهُ. لَمْ يَرَ أَحدٌ دُمُوعَهُ، سِوَىٰ ذٰلكَ المُدرِّسِ الّذي وَقَعَ في حَرجٍ كَبيرٍ، فَما كانَ مَعنيًّا بالكَلامِ، لا مِنْ قَريبٍ أَو بَعيدٍ، لٰكِنْ وَعيهُ الّذي سَبقَ سِنينَ عُمرِهِ أدركَ عَظُمَ التَّقريعِ وَ العَتبِ!
دارَتِ الأرضُ، وَ مَعها الفُصولُ
وَ المَواسمُ، قاربَتْ خَمسَ عَشرَةَ سَنةً.. أو أكثرَ، حَتىٰ أصبحَ الفَتىٰ زَميلَ مِهنَةٍ لِذاكَ المُدرِّسِ، ثُمَّ صَديقًا حَميمًا، سامرَهُ في السَّراءِ وَ الضّرَّاءِ.
الدَّمعَةُ الأُخرَىٰ...
تَنَفَّسَ الصُّبْحِ، في يَومٍ بَرْدُهُ قارسٌ، شَمسُهُ تَتلبَّدَُِّ بالضَّبابِ، تَجَمْهَرَ فيه جَوْقٌ مِنَ النَّاسِ، يُرتِّلُونَ بِصمْتٍ آيٍّ مِنَ القُرآنِ الكَريمِ ، وَ يُقَدِّمُونَ فيِ آنٍ وَاحِدٍ أَنْغَامَ نحيبٍ مُتَآلِفَةً.
تَضوَّعَتْ رائِحَةُ البُّنِ العَربيِّ مارَّةً عَلـىٰ أُنُوفِ الضِّيُوفِ مَمزُوجَةً بالبُخُورِ،
وَ لَعُمْري.. أَنَّهُ دَليلُ حُسْنِ ضيافَةٍ.
وَ لَمّا اِرتَفعَ النَّعشُ عَلـىٰ المَناكِبِ، تَجاهَش القومُ البُكَاءَ، تَبلَّلَتِ اللُّحَىٰ،
وَ تَردَّدَ صَدىٰ نَحيبِ وَ عَويلِ رَبَّاتِ الخُدُورِ...
بَينَما زَمهريرُ النَّسيمِ الهادِىء.. رَاحَ يُقَرِّحُ الخُدُودَ، وَ يَثيرُ شُجُونَ النَّفسِ لِيزدادَ لَظاها اِشْتعالًا، وَ كأنَّها- مَعاذَ الله- في الــ {نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ}!
"الدُّمُوعُ.. مَطافِئ الحُزنِ الكَبيرِ."
صَدقَ مَنْ قالَ ذٰلكَ..
فَعندَما يَصعُبُ عَلينا التَّعبيرُ عَمَّا بِداخلِنا وَ نَعجزُ عَنْ وَصفِها؛ تَنهَمرُ الدُّموعُ، وَ هي نِعمةٌ مِنَ اللهِ تَعالـىٰ علـىٰ الإنسانِ، يَجدُ فيها رَاحَةً
وَ تَقليلًا مِنْ شعُورِ الألَمِ، يُفرِّغُ بها مَشاعرَهُ السِّلبيَّةِ، اتجاهُ مَوقفٍ آنيٍّ أَو دائِميٍّ!
تِلْكُمْ هِي الدَّمعَةُ الأُخرَىٰ..
فَذاتُ المُدرِّسِ، الزَّميلِ، الصَّديقِ، العَزيزِ.. سَكبَها بِكُلِّ أَرْيَحِيَّةٍ- وَ لا غَرْوَ في ذٰلكَ- وَ لَمْ يبالِ إن سَكبَها أَزاءَ هٰكذَا مَوقفٍ يَتكرَّرُ بَينَ الفَينَةِ وَالأُخرَىٰ!
فَلِطالَما تَدْعُوهُ لَحظاتُ الوِداعِ الأَخيرِ، وَ تَفرضُ شُغُورَ المَّكانِ أَمامَ عَينيهِ مِنْ عَزيزٍ، وَ تُحاولُ بِالكادِ أنْ تُفرِّغُ فُؤادَهُ، لٰكنْ هَيهاتَ!
بَينَ دَمْعَةٍ وَ أُخرَىٰ،
تُولَدُ أَلْفُ عَبْرَةٍ...
تِلكَ هيَ مَصيبَةُ المَوتِ!
( صاحب ساجت /العراق)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق