الاثنين، 15 أبريل 2024

ثقافة النفاق والتطبيل بقلم علوي القاضي.

(@)ثقافة النفاق والتطبيل(@)
بقلمي : د/علوي القاضي.
... ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا ﴾ ، ٱيات المنافق كثيرة ، ومواقف ممارسة النفاق لاحصر لها ، ولكنها تندرج تحت صفات عدة ، أنه إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا أؤتمن خان ، وإذا خاصم فجر
... والتطبيل صورة من صور النفاق وكذب الحديث ، لأن المنافق يقول كذبا ، ويمدح الشخص بما ليس فيه ، وهو عكس النقد هدفا وسلوكا ، والتطبيل أخطر من النقد لأن التطبيل يبني قيادات من ورق ، تسقط أمام القضايا الكبرى ، أما النقد البناء ، يكسبك القوة والقدرة على مواجهة التحديات ، فالوطن دائما يموت على يد المطبلين من أبنائة 
... وهناك أناس يجيدون فن التطبيل في كل المواقف ، لذلك كان للتطبيل فن وأسلوب ومنهج ، لايبدع فيه إلامن يجيد تقبيل الأيدي ، فماهي سيكولوجية المنافق ؟!
... (أولا) ، أنه دائم التطبيل لولي نعمته ، يزين له السلب إيجابا ، ويجعله لايثق في أي رأي ٱخر ، خلاف الأفكار التي يزرعها في رأسه ، وبكلمة من المنافق له ، يكون القرار ، وبكلمة أخرى يكون القرار العكسي ، وفي كلا الحالتين لاتجد عقلانيات ولاإستنتاجات ، لأن الإجابة دائما في رأس المنافق ، (الخلاصة) ، أن المنافق يدرك كافة الفجوات العقلية لولي نعمتة ، ولذلك يستطيع السيطرة عليه ، والغريب أن المنافق لايفارق ولي نعمته 
... (ثانيا) ، أنه لايسمح لأي فرد بالإقتراب من ولي نعمته ، بكافة السبل ، حتى يقطع عليه أي سبيل الإستماع لأي أفكار أخرى ، وهنا المصيبة الكبرى ، أن المطبلاتي يصبح هو الآمر الناهي في قبول أو رفض الآخرين ، وفي سبيل تحقيق ذلك يتميز بالقدرة الفائقة على التبرير ، وقلب الحقائق وتزييفها 
... (ثالثا) ، أنه لايتورع أن يكون (مرمطون) لولي نعمته ، ولديه الإستعداد للإنبطاح ، وهدر ماء وجهه ، والمذله ، وكسر العين ، المهم أن يكسب رضاه عليه 
... وللنفاق مواقف وصور كثيرة يضيق المقام بذكرها ، والتي تعد أساس نجاح المنافق في مساعيه 
... المنافق إنسان غير سوي ، لأن الإنسان السوي يسير بالمبادىء التي تربى عليها ، ولايأكل على كل الموائد ، ولكنه من الممكن أن يقابل متميزين ، (بالغلط ، والتطبيل ، والعيب ، والحرام) ، ويكتشف للأسف أنهم في القمة ! ، لكنه يظل محافظا على مبادئه  
... إن ثقافة النفاق عتيقة جدًا فى بلادنا ، لأن مفهوم الشاعر الذى يدخل على الخليفة ليمدحه ، ويخرج حاملاً أموال وهبات ، هو مفهوم متأصل فينا ويصعب الخلاص منه
... لقد قرأت القليل في الأدب العالمى ، لكنني لم أجد بيتًا من الشعر فى أى لغة عالمية ، يماثل ماقاله (إبن هانى الأندلسى) فى مدح الخليفة الفاطمى المعز لدين الله :
. . ماشئت لاماشاءت الأقدار *** فاحكم فأنت الواحد القهار
. . وكأنما أنت النبى محمد *** وكأنما أنصارك الأنصار !
... تأليه للحاكم وصل لدرجة الكفر والشرك بالله
... وفي عصرنا الحديث حينما قال أحد المنافقين للحاكم ( إن كان موسى جاء بالتوراة ، وعيسى جاء بالإنجيل ، ومحمد جاء بالقرٱن ، فقد جئت بالميثاق ) ، نفس منهج النفاق المنتهي بالشرك
... إن الأمة التي يُقال فيها هذا الكلام هى أمة مقضى عليها بالفناء ، ولاغرابة أن يقال إن هذا الشعر كان نذيرًا بفناء دولة العرب في الأندلس
... المزايدة تتكرر فى قصص التراث بلا إنقطاع ، وهاهو ذا (أبو تمام) ينشد قصيدته أمام الأمير (أحمد بن المعتصم) ، فيقول الشاعر فى نفاق صادق واصفًا الأمير :
. . إقدام عمرو فى سماحة حاتم *** فى حلم أحنف فى ذكاء إياس
... وهنا يتدخل (أبويوسف يعقوب الكندي) ، وقد بلغت به (سلطنة) النفاق أعلى درجة ، قائلاً (الأمير فوق من ذكرت)
... يعنى كل هذا النفاق غير كاف ، و (الأمير أعظم من هذا) ، ولابد من المزايدة فقد بدأ (مولد) النفاق ، وعلى الفور يستغل (أبو تمام) موهبته ليرتجل شعرًا :
. . لاتنكروا ضربي له من دونه *** مثلا شرودا فى الندى والباس
. . فاللّه قد ضرب الأقل لنوره *** مثلا من المشكاة والنبراس
... هذه القصة لا ترد فى المراجع كدليل على عبقرية النفاق ، بل على براعة الشاعر وحسن تصرفه
... وأزيدكم من الشعر بيتا ، ذات مرة ، زار (جمال مبارك) مدرسة خاصة ، فنشرت التلميذات فى إحدى المجلات رسالة مناشدة إلى (مبارك) تقول (نحن فى بلد ديمقراطى ومن حقنا التعبير عما يجول بخاطرنا ، وأنت علمتنا الحرية وعدم الخوف ، لذا نطالب الرئيس مبارك بأن يكلف (جمال) بمنصب سياسى مهم !) هذا نوع عجيب من النفاق ، على غرار (أتركنى أقول شهادتى التى سأسأل عنها أمام الله ، أنت أعظم وأروع من رأيت !)
... فالمنافقون مستعدون فى أى بلد عربى كى يهتفوا (الأمير فوق ماذكرت) فى أي لحظة ، ولسوف يظهر لهم من يزيد بيتين من الشعر لإرضاء الحاكم ، بإختصار ، يبدو أن داء (الوباء والجهل والموالسة) متوطن ولن يزول عن عروبتنا
... أيها المنافقون ، بما أننى أعلم حرصكم على النفاق بكل صوره ، لخداع غيركم وأنفسكم ، وتظلون رافعين شعار النفاق ، لتنالوا الرضا من الفسدة الكبار ، وأعلم يقينا أنكم أصبحتم سيئين جدا لدرجة أنكم لايهمكم الحق ، ولايهمكم مستقبل أولادكم أوأهلكم الذين سيعانون نتائج تطبيلكم ، معاناة لم ولن تخطر على بالكم ، لأنكم أشخاص سيئون وفاشلون وأغبياء ، وأعلم أن أولياء نعمكم ، جعلوا كل سئ منكم يحمل طبلته ، وينتظر دوره ، فقد نزعوا منه الإنسانية وحولوه لكائن بذئ أقل من الرعية ، نعم فهذا أسلوب الديكتاتوريات ، كى تعيش على حساب شعوبهم ، فهم يغيبوا الناس ويصنعون منهم أمثالكم ، أيها المنافق ، إعلم أن قدر الله سابق ، ورزقك محتوم ، وعمرك محدود ، ومهما نافقت فلن تأخذ أكثر من رزقك  
... أدعوا الله أن يصح ضميركم ، وأن تستعيدوا آدميتكم ، لأنكم لن تعيشوا بالكذب والنفاق والخداع 
... أيها المنافق جرب أن تكون إنسانا ، ولو لمرة واحدة فى حياتك ، من أجل الأجيال القادمة حتى لايرثوا كل هذا البلاء ، جرب أن توقظ ضميرك من غفلته 
... (كن إنسانا) ...
... تحياتى ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

مَجازِرُ عَمْرِو بْنِ العاصِ فِي ضَوْءِ تَعَارُضِ المَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ وَالغَرْبِيَّةِ بقلم فُؤاد زاديكي

مَجازِرُ عَمْرِو بْنِ العاصِ فِي ضَوْءِ تَعَارُضِ المَصَادِرِ التَّارِيخِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ وَالغَرْبِيَّةِ لِلباحِثِ فُؤاد زاديكي يُثِيرُ...