الجمعة، 17 مايو 2024

يادي السخام بقلم علوي القاضي

-($)-(يادي السخام)-($)-
بقلمي : د/علوي القاضي.
... زارني بعد تخرجنا من الكلية ، وصارحني بنيته على الزواج ، فقد كان وحيدا وأمنية أبيه أن يرى حفيده ، ولهذا طلب مني أن أبحث له عن زوجة ترضى كل الأطراف أنا وهو وأبيه وأمه ، ولما سألته عن مواصفاتها أجاب :
... لاأريدها جميلة ، فيطمع فيها غيري ، ولاقبيحة ، فتشمئز منها نفسي ، ولاطويلة فأرفع لها هامتي ، ولاقصيرة فأطأطئ لها رأسي ، ولاسمينة فتسد علي منافذ النسيم ، ولاهزيلة فأحسبها خيالي ، ولابيضاء مثل الشمع ، ولاسوداء مثل الشبح ، ولاجاهلة فلاتفهمني ، ولامتعلمة فتجادلني ، ولاغنية فتقول هذا مالي ، ولافقيرة فيشقى من بعدها ولدي 
... أريدها إمرأة ( عيطموسا ) تامة الخلق ، ( عيطبولا ) فتية وجميلة وممتلئة القوام وطويلة العنق ، ( عيطاء) معتدلة القوام وطويلة العنق
... ولاتكون ( صهصاهة ) شديدة الصوت ، ولا ( هصلق ) عالية الصوت الأجش ، ولا ( شمشليق ) سريعة فى المشى ، ولا ( هلوف ) لها شعر فى وجهها ، ولا ( سلفع ) متجرأة على الرجال فى المجالس ضحكا ومزحا وهزارا ، حتى لوكانت تحفظ القرآن وحتى لولم تجالسهم 
‏... وأضاف أنه يميل للزوجة التي تتزين بالحياء ، وتبتعد عن مايستفز غيرته ، أويدخل الوسواس في قلبه ، وتقرأ همومه وأحزانه ، وتسأله عن مايضايقه ، وتحتويه ، وتواسيه بحبها وتطمينها ، وتحفظه في ماله ، وبيته ، ونفسها ، وتحفظ أسراره حتى عن أهلها ، وصديقاتها ، وترى في خدمته عبادة وليس عبء تتذمر منه أوتعيّره ، وتحاوره دون صراخ ، واستطرد صديقي قائلا :
. . أريدها ( مرفوعة ) الهامة ، ( منصوبة ) القامة ، ( مجرورة ) الثوب ، ( مجردة ) عن العيب ، ( مربوطة ) الشفتين ، ( مبسوطة ) الكفين ، تطيع فعل ( الأمر ) ، بدون ( إستثناء ) ، وتجيب ( النداء ) ، وتفهم ب ( الإشارة ) من غير عبارة ، ولاتعرف الجمل ( الإعتراضية ) ، ولا ( أفعال الظن ) ، وليس في قاموسها ( لا ، لن ، لم ) ، وضميرها ( متصل ) بضميري ، ( منفصل ) عن غيري ، فإذا طلبت ، فغير ( جازمة ) ، من كل علة ( سالمة ) ، إذا رأيتها ( سبحتُ ) ، وإذا غابت عني ( حوقلتُ ) ، تجاملني ( بالكناية والتصريح ) ، فعلها ( تام صحيح ) ، لاتنازعني في عمل ( الفاعل ) على الإطلاق ، قولي عندها ( معلوم لازم ) بلاطلاق ،
تعاملني ( بالسكون والعطف ) ، أما مالي عندها ف ( ممنوع من الصرف )
... فهنيئا لو وجدت لى مثلها فستكون خير متاع الدنيا ، ومعين ورفيق إلى السعادة في الدنيا والجنة في الٱخرة ، وياحبذا لو تتحلى بالخلق الحسن ، والأدب الرفيع ، فلايُعرف منها بذاءة لسان ، ولاخبث جنان ، ولاسوء عشرة ، بل تتحلى بالطيب والنقاء والصفاء ، وتتزين بحسن الخطاب ولطف المعاملة ، وأن تتقبل النصيحة وتستجيب لها ، ولاتعتاد الجدال والمراء والكبرياء ، وإذا أُعطيت شكرت ، وإذا حُرمت صبرت ، تسرني إذا نظرت ، وتطيعني إذا أمرت ، زوجة تسكُنُ النفس برؤيتها ، ويرضى القلب بحضورها ، فتملأُ المنزل والدنيا سعة وفرحا وسرورا ، ولاتعرف عيب المقال ، ولاتهتدي لمكر الرجال ، فارغة القلب إلا من الزينة لي ، ولاترفع صوتها عليا إذا جادلتني ، وفي غيابي تحفظني في نفسها ومالي ، يعم جمالها جسدا وروحا وعقلا ، ولاتخرج من البيت إلا بإذني ، ودائما مبتسمة وشاكرة ، وتختار الطريقة والوقت والأسلوب والكلمات المناسبة عند طلبها أمر تريده ، ويكون خلقها حسن ، ولاتخرج متبرجة ، وتحرص على طاعة الله ورسوله صل الله عليه وسلم في السر والعلن ، وتكون صالحة قنوعة تصبر على فقر زوجها ، شاكرة لغناه ، وتحث الزوج على صلة أصدقائه وأرحامه ، وتحب الخير وتسعى لنشره ، وتتحلى بالصدق ، وتبتعد عن الكذب ، وتربي أبنائها على محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، وعلى إحترام وطاعة الوالدين ، ولاتساعدهم على أمر يكرهه أوالإستمرار في الأخطاء ، ولاتغضب ولاتنفعل ، ولاتسخر من الآخرين ، ولاتستهزئ بهم ، وتكون متواضعة بعيدة عن الكبر والفخر والخيلاء ، وتغض بصرها إذا خرجت ، وزاهدة في الدنيا مقبلة على الآخرة ، ترجوا لقاء الله 
... قلت له أنك تريد ملاك من الجنة يهبط على الأرض أوأميرة سليلة ملوك ، ولكن ياأخي من المعروف أنه مهما كان الإختيار دقيقا والبحث عميقا قبل الزواج ، فإنه لابد أن تنكشف بعد الزواج لأحد الزوجين أوكليهما بعض الصفات التي لم يرها من قبل في شريك حياته ، إما بسبب الظروف أوالتكلف والتصنع ، وهو ماقد يسبب مشاكل قد تنتهي بالإنفصال ، ولذلك إختلف الرِّجال في إختيارهم للنِّساء ، فالبعض يختارها جميلة كلوحة فنيَّة ، أوصبورة مهما قسى عليها تتحمل ، أوأماًّ تطمئنه بحنانها ، أوطفلة يحيطها بحنانه ، أوقويَّة صامدة أمام كلِّ الظُّروف ، أومثقَّفة ومتعلِّمة وذگيَّة وواسعة البصيرة ، أوبسيطة ضعيفة لاحول لها ولاقوُّة ، وبين هذا وذاك تبقى المرأة هي المرأة 
... ياصديقي عليك أن تتريث عندما تختار فتاة العمر وتتعرف على أفكارها وفلسفتها في الحياة ، هل هي خيالية أم واقعية 
... وهنا تذكرت قصة للأطفال تأليف ( هانس كرستيان أندرسن ) ، عن الأمير الذي يبحث عن أميرة حقيقية ليتزوجها ، حينها ظهرت أميرة ضاله الطريق وطلبت البيات في قصره ، فقررت الملكة الأم عمل إختبار صغير لهذه الأميرة لمعرفة إن كانت أميرة حقاً ، فوضعت حبة بازلاء على حشية الفراش ثم وضعت فوقها أربع حشايا كاملة ، وطلبت من الأميرة قضاء الليل في هذا الفراش 
... وفي الصباح بدت الأميرة مرهقة لأن شيئاً صلباً في الفراش ظل يؤلم ظهرها طيلة الليل ، هنا هتفت الملكة في حماس ( تزوجها يابني فهي أميرة حقيقية ! ) ، ( فقط الأميرة سليلة الملوك هي التي يمكن أن تشعر بحبة بازلاء تحت أربع حشايا )
... وبعد مجهود مضن وبالبحث رأيت الفتاة التي يتمناها صاحبي ، وبدت جميلة رقيقة ، لكني شعرت نوعاً ما بالتصنع والتكلف وادعاء الرقي في سلوكها ، فهي تظهر خلاف ماتبطن تماماً ، وللتصنع حدوداً ولابد من علامة هنا أو هناك تكشف لك حقيقتها ، هناك نصيحة يسدونها للراغبين في الزواج وأجدها حكيمة : أعط الفتاة قطعة من ( العلكة ) أي ( اللبان ) ودعها تمضغها ، وراقبها بحذر سوف تتماسك الفتاة بضع دقائق وتمضغ برقة ، ثم تظهر الفضائح ، سوف تبدأ الطرقعة والإنفجارات ، ( طق ، كراك ! طراق ! ) ، وتلوي فمها في ميوعة ويتساقط اللعاب من شفتيها الغليظتين ، بإختصار سوف تنسى كل الأقنعة الإجتماعية التي وضعتها ، لأن ( اللبان ) له قوة كاسحة ولاتستطيع أي امرأة أن تقاومه ، مالم تكن أميرة حقاً
... وهناك طرق أخرى مثلا ( الأكل ) كاشف قوي للشخصية ، المطربة ( نجاة الصغيرة ) إشتهرت برقتها وصوتها الدافئ ، مما جعل الشاعر ( كامل الشناوي ) يهيم بها عشقاً ، لدرجة أنه ألف فيها ثلاث من أشهر أغانيه ( حبيبها ، أنت قلبي ، لاتكذبي ) لدرجة أنها غنت تلك الأغاني وهي تعلم أنها من أجلها ، وظل يهيم بها حبا ، ولايفارق طيفها ناظره ، حتى رآها يوما في القناطر الخيرية في شم النسيم ، رآها تلتهم الفسيخ في جشع وتلعق أصابعها ، ثم تهشم البصل وتزدرده وكأنها في سوق الخضار وتقذف في جوفها بخمسة أرغفة ، حينها سقطت تماماً من نظره فراجع نفسه ، وشفي من عشقه المجنون لها وندم على مافات وتاب وأناب ورجع
... روى لي صديقي هذا أنه إتصل ذات مرة بشركة سياحة يؤكد حجز رحلة ، فردت عليه فتاة تتكلم بكبرياء وأنفة وتتقمص شخصية أولاد الذوات إل ( فرست كلاس ) وقالت : 
. . ( بالتأكيد يا فندم ، لالزوم للكونفيرميشن ، لأن البوكنج موجود هنا ، الفاوشر معك ، ويمكنك أن تقوم بعمل كانسل في أية لحظة ، بليز دو.. هانج أون ) ، وكأنها تجد صعوبة بالغة في العثور على أي كلمة عربية مناسبة
. . وبدأت ( تملّيه ) رقم الرحلة ، وفجأة حدث خلل في الكمبيوتر ، فراحت تكبس المفاتيح في عصبية ، ثم دوى صوتها الغليظ الحقيقى وكأنها تتشاجر في سوق العبور وانكشفت شخصيتها الحقيقية قائلة :
 (( ''يا دي السخام !! '' ))
... يقول صديقى ( كنت أول مرة أسمع تلك الكلمة وللحظة خيل لي أنها تستعمل لفظ إيطالى أوهولندي لاأعرفه ، ثم فطنت أنها تتكلم بالعربية العامية 
... ولما بحث صديقي لاحقا عن المعنى اللغوي لكلمة (( السخام )) ، وجد له مرادفات ، السخام في لسان العرب : ريش سُخامٌ أَي ليّن الملمس ورقيق ، وشرابٌ سُخامٌ ، وطعام سُخامٌ ليّن ومُسْتَرْسل ، وقيل : السُّخام من الشَّعَر الأَسودُ ، والسُّخامُ ، بالضم : سواد القِدْر ، ومنها (( وقد سَخَّمَ وجهَه أَي سوّده )) ، والسُّخامُ الفَحْمُ ، والسَّخَم : السواد ، وقد يقصد بها ماينتج من مصابيح الزيت من سواد (( الهباب والكربون الأسود )) ، وتستخدم كلمة (( سخام وشحار )) في اللهجات الشامية للتعبير عن المصيبة ، ويقابلها (( الهباب )) في اللهجة المصرية
... ولأنني لست من طبقة مرفهة أو ثرية ، وقد تعاملت بحكم عملي مع طبقات فقيرة جداً في أسفل السلم الإجتماعي ، لكن دعني أؤكد لك أنني لم أسمع (( يادي السخام )) على الإطلاق من أي شخص قبل ذلك ! طبعاً يمكن إستنتاجا أنها تقول (( يا للكارثة ! )) بطريقتها الراقية الخاصة بها 
... ويستكمل صديقى قصته ففي اللحظة التالية إستردت وعيها فعادت تقول : (( سوري يافندم الشاشة فروزن حالياً ، لوأنك كولد باك خلال ساعة فلربما احم .. شكراً لاتصالك )) ، وضعت السماعة وأنا أكاد أموت ضحكاً ، وقررت أنني لن أتزوج هذه الفتاة بالذات لوقررت الزواج
... صارحت صديقي بهواجسي نحو المرأة المتكلفة المتصنعة ، فقال لي وماذا أفعل؟! ، قلت له : لتتعرف على حقيقة الشخصية بدون تصنع أوتكلف عليك بالٱتي : إما أن تقنع فتاتك بالنوم على حبة بازلاء تحت أربع حشايا ، وإما أن تعطيها قطعة ( لبان ) ، أو تراقب رد فعلها لوحدث خلل في الكمبيوتر 
... لم يبد له أي حل مقنعاً ، حتى فكرة ( اللبان ) ستبدو غريبة جداً عندما يعطيها إياها ويراقبها في حذر 
... ونحن كذلك تذكرنا أن ( شم النسيم ) على الأبواب فاقترحت عليه أن يدعو خطيبته لأكلة فسيخ في القناطر الخيرية ، فسألني في بلاهة عما إذا كانت طريقتها في أكل الفسيخ سوف تفضحها ، قلت له ، أنت لم تتعلم شيئاً ، لوقبلت أكل الفسيخ أصلاً فهي تنتمي لعالم الرعاع وليس الأميرات ولاتصلح لك ياصديقى 
... وحتى هذه اللحظة لاأعرف ماتوصل إليه صديقي ، لكني أرجح أنه سيخدع نفسه وسوف يتزوجها في جميع الأحوال ، حتى لوكانت تلتهم طناً من الفسيخ ، مع عشرة أرغفة من الخبز ، وحتى لوقالت له بعد الأكل (( يا دي السخام ! )) لأننا لانرى سوى ما نريد أن نراه ف ( عين الرضا عن كل عيب كليلة وعين السخط تبدي المساويا )
... وفي الختام أؤكد على حاجتا إلى حياة البساطة والعفوية بلارتوش ، ونكون على طبيعتنا ، ونختزل كل ذلك التصنع والتكلف المزيف ، حينها سنحيا الحياة الحقيقية ، مع التخلى عن بعض الطباع المكتسبة الكاذبة  
... أخي ، أختي كُن ( أنتَ ) في جميعِ أحوالِك ، لأن حبلُ التصنُّعِ والزّيف والتكلُّف قصير جداً ، ومجهد جداً لك ولغيرك ، وأحرص أن تحب الأمور البسيطة ، وتبتعد عن التكلف والتصنع ، وتتعامل بطريقة متساوية مع كل من حولك ، وتبني معهم علاقات مثالية ، وكن متواضعا ولاتكن نسخة مقلدة بعيدة عن الأصل 
... ولاتحاول التغيير من سلوكك لأجل الأشياء ولاحتى لأجل البشر ، أن تكون نفسك ، لاتجامل ولاتنافق ، بل تعامل مع الكل بماهم أهل له ، حينها ستكون إنسانا تمتلىء بالحب وتشع نوراً وعطاءً
... تحياتى ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

رفقاً بقلبي بقلم نور الدين نبيل عبد الحليم

(( رفقاً بقلبي)) أقبل تعالى ولا تخشى حصوني ودك أسواري وترقبك عيوني أقبل فلا أرقى على أحتمال الصبر ولا على شوق السنون راية استسلامي إليك أرفع...