كنا معا، ولا أعرف لماذا جمعتنا لحظات الحياة الجميلة وفرقتنا لحظات الحياة التعيسة.
ككل الشباب نظرة، ثم بسمة، ثم موعد. كانت أشرف فتاة عرفتها في حياتي، لم ألمسها ولم تلمسني قط.
بنطالي الوحيد من يمس تنورتها السوداء دون قصد
عملنا معا في المسرح، ومثلنا دور البطولة في عدد من المسرحيات، وعرف الكثير من أعضاء الفرقة المسرحية
وفرقة الإنشاد بالحب العذري الذي كان بيني وبين من كنت أراها أجمل فتيات الكون.
ذات يوم كنت في دائرتي التي أعمل بها بصفة موظف استعلامات بصفة مؤقتة ، دخلت امرأة
في الثلاثينيات من عمرها، ولكوني كاتب استعلامات سألتني مباشرة:
= أنت عبد الكريم المسرحي؟
= نعم، وأنت الأخت الكبرى لفيحاء أليس كذلك
= إذا تعرف من أنا
= بالتكبد، حدثتني فيحاء عنك الكثيرا
= ممكن نأخذ من وقتك دقيقة
لا أعرف لماذا حاول أن يتوقف قلبي عن نبضة في هذه اللحظة، وبدأت أفكار غريبة تطوف في رأسي،
قلت
=ممكن
خرجنا إلى حديقة الدائرة وجلسنا على (مصطبة) بالقرب من شجرة صغيرة كنت أكتب بعض مسرحياتي تحتها وقت الفراغ.
قلت:
= تفضلي
قالت دون مقدمات:
= (اسمع أخي عبد الكريم، العلاقة التي بينك وبين أختي لا بد أن تنتهي.
من هول الصدمة ، طفحت عيناي، وشعرت كأن الدم توقف عن الجريان، والعقل توقف عن التفكيرشلت يدي اليمنى التي كانت
تمسك بمفاتيح غرفة الاستعلامات حاولت أن أعيد نشاطي العقلي والبدني من خلال إخراج كلمة مبعثرة تصلح للكلام قلت بالعامية
= (ليش) يعني لماذا؟
قالت بصوت رجولي:
= أفضل
عدت أكثر جرأة
= كيف؟
عادت إلى أنوثتها
= إذا كنت تحب فيحاء فعلا لا تؤذيها ولا تؤذي عائلتها... هل وصلت الرسالة؟
توقفت عن الكلام لمدة ربع ساعة، انظر إلى وردة بالقرب مني قد مالت على أختها وذبلت أوراقها وتغير لونها.. وهي تنتظر رد الجواب
= اعتقد وصلت الرسالة، ولكن أرغب في التفاصيل
قالت:
= وهو كذلك... أنت تعلم أنا عضوة معروفة في حزب البعث العربي الاشتراكي
قلت:
= بلا
قالت:
= أما أنت، فان أخوك قد أعدم بسبب انتمائه إلى حزب الدعوة... وأنت تعرف مدى كره البعث للدعوة
قلت لها؛
= ولكن أنا لم أنتمي إلى أي حزب
= هذا صحيح وأنا متعاطفة معك... ولكن هذا هو القدر
نزلت دمعة ساخنة بسخونة قلبي فوق الوردة الذابلة. وبعد يوم واحد رن جرس هاتفي المنزلي كانت هي حبيبتي
= ألو انا فيحاء
أغلقت الهاتف وكنت وفيا، قطعت عهدا خوفا على حبيبتي
وبعد أربعين عاما رن هاتفي الجوال
= الو.... الو.... الو... انا فيحاء... الو.... الو...
أغلقت الهاتف ثانية وسأبقى وفيا على العهد حتى
تعيش هي وزوجها وأولادها في سعادة ولكي أسمع صوتها كل يوم وضعت كلماتها
الأخيرة نغمة لجوالي.....الو ...الو...انا فيحاء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق