الشاعر الدكتور جهاد صباهي
هكذا أضاعَنا الوقتْ
مُعلّقونَ على الجدارِ
لا نعرفُ كيفَ نخرجُ من ساعتِنا العاطِلَةْ
توقفتْ عقاربُها عندَ لحظةِ الكُسوفْ
راعَها هزيمُ السَوْطْ
ونحنُ في قطارِ الصمتْ
يخنُقُنا قِفلٌ وسجَّانْ
أطبقوا على أفواهِنا اللجامْ
كأننا صيدٌ أو نايٌ حزينْ
الحياة حرامْ
والنومُ مغامرةٌ خَطِرَةْ
فيها الأحلامُ مُلغَّمةٌ نخشى الدخولَ فيها
طالَ أَمَدُ الظلامْ
لم يُنقِذْنا منهُ الموتْ
وّرِثَ الكرسيَ كسوفٌ آخرُ
جاءَنا في يومٍ مُريبْ
بِسحْنَةِ أوديبْ
ليبيعَ الروحَ ويغتصبَ الجسدْ
حملٌ مشوّهٌ بين أمٍّ و ولدْ
جاءَ المولودُ يصرخُ إلى الأبدْ
( في جيدِهِ حبلٌ من مسدْ )
لامفرَّ من الاعتراف
ولدٌ ميتٌ من رحمٍ ميّتْ
كلما حاولَ النهوضَ
اصطدمَ رأسُهُ بضجيجِ الصَوْتْ
هكذا أضاعنا الوقتْ
ها نحنُ في آخرِ الليلْ
والشروقُ مُكبّلٌ بأصفادِ السؤالْ
متى تزولُ الشوائبُ من أحلامِنا ؟
لتحومَ الفراشاتُ حولَ بيوتِنا
تُضيءُ مصابيحَ الجمالْ
لامفرَّ من السقوطْ
ليُحلِّقَ ياسمينُ الشامِ على قممِ الجبالْ
يُعانِقُ شروقَ الشمسْ
يفَلُّ ضفائِرَها ويغسِلُ شرائِطَها بماءِ الفراتْ
يُراقِصُ النوارِسَ على شواطئِ البحرِ
معلناً عن وجودِ حياةْ
د . جهاد صباهي
***************
دراسة نقدية لقصيدة “السقوط”
1. العنوان ودلالاته:
• العنوان “السقوط” يأتي بصيغة التعريف مما يمنحه طابعًا شموليًا وكأن الشاعر يتحدث عن حدثٍ نهائيّ مصيريّ لا رجعة فيه .
• العنوان يوحي بانهيارٍ أخلاقي سياسي وجودي ويهيئ القارئ للدخول في تجربة مأساوية لكنها متأملة .
2. البنية الفنية واللغة :
• اللغة مشحونة بالتوتر والرمز لكنها منضبطة غير مرتجلة تمتزج فيها المفردات اليومية (القطار ، الحلم ، الجدار ) مع رموز أسطورية ( أوديب ، في جيده حبل من مسد ) .
• الإيقاع يتأرجح بين التفعيلة والنثر الشعري ، لكن الشاعر حافظ على موسيقى داخلية غنية بالتكرار اللفظي والصوتي ( مثل : “هكذا أضاعنا الوقت” ، “لا مفرّ” ) .
3. الصور الشعرية والرمزية :
• “مُعلّقون على الجدار” و”لا نعرف كيف نخرج من ساعتنا العاطلة” تقودنا فورًا إلى فكرة الزمن المتجمد ، الوطن المتوقف .
• “بسحنة أوديب” إشارة ذكية تربط القمع بالعمى الأخلاقي والسياسي ، بينما أوديب هنا لا يبحث عن الحقيقة بل يكرر الجريمة .
• “ولدٌ ميتٌ من رحمٍ ميّت” تلخص فكرة الاستبداد المتوارث ، نظام يُنجب نسخة مشوهة من نفسه .
4. الثيمة والرسالة :
• القصيدة تطرح الزمن كجلّاد ، والصمت كقيد ، والحلم كفخ مفخخ ، وهذه أفكار تنسجم مع سردية شعب مكبوت تحت ظل نظام قمعي .
• في المقابل القصيدة لا تخلو من نقطة ضوء : “ليُحلِّق ياسمينُ الشام…”، كأنك تقول : لا قيامة بدون سقوط .
5. الجانب السياسي:
• استخدم الشاعر أدوات شعرية لتفكيك رموز الطغيان ، دون أن يقع في المباشرة . استعارات مثل “الكرسي” و”أوديب” و”حبل من مسد” تُغني عن أي تصريح .
6. التكرار والختام :
• العودة إلى “هكذا أضاعنا الوقت” في نهاية المقطع الأول ، ثم إلى “لا مفرّ من السقوط” في الأخير ، تصنع دائرة مغلقة ، تؤكد العبث ، لكن يختم بـمشهد يحمل الأمل .
خلاصة :
القصيدة مشغولة بوعي ، فيها لغة قوية ، خيال شعري مشبع بالرمز ، ونبرة احتجاجية مغطاة بستار جمالي . تصلح لأن تكون جزءًا من ديوان مقاومة أو شهادة جمالية على مرحلة تاريخية قاتمة ،
فالشاعر يمارس بقصيدته فعل المقاومة من بوابة اللغة راسمًا صورةً بانورامية لانهيار الإنسان في ظل الاستبداد وسقوط الزمن تحت ثقل القمع والخرس الجماعي .
لا يكتفي النص بوصف واقعٍ مأزوم بل يذهب بعيدًا في تحليل تشوّه الوعي والوراثة الجهنمية للكرسي حيث يتحوّل الحُكم إلى لعنةٍ متكررة والمواطن إلى كائن مُعلّق بين الخوف والحلم المفخّخ .
تتخذ القصيدة من الرموز مفاتيح تأويل : الساعة العاطلة ، أوديب الكسيح ، الولادة الميتة ، و”حبلٌ من مسد”، كلها دلالات محمّلة بتراث ثقافي وأسطوري ، يعيد الشاعر توظيفها بإبداع في سياق معاصر .
التناص هنا ليس تزيينيًا بل وظيفيّ يخلق توازنًا بين البعد التأملي والصرخة المكتومة .
وفي حين تتلبّد السماء بموتٍ رمزيّ لا يأتي بالخلاص ،
يباغتنا النص بنهاية مشبعة بالرجاء : ياسمين الشام يحلّق والفراشات تعود لتحوم معلنة أن السقوط ليس النهاية بل ضرورة للولادة .
“السقوط” ليست فقط قصيدة في السياسة بل في الإنسان ، في العطب وفي الحنين إلى ضوءٍ لا يزال ممكنًا.
هي نصّ يقف بثقة على تخوم الشعر والمرارة ، اللغة والحلم ، الزوال والقيامة
عمر الخيام الدمشقي
روائي وناقد أدبي.
***************
أصيص الشاعر الشعري "السقوط"
عمل غني بالدلالات الرمزية والسياسية .. ويتسم بكثافة شعرية عالية وصور مركبة تجمع بين الألم الوجودي والتمزق السياسي والاجتماعي .
1. البنية العامة والمناخ النفسي :
النص يغرق في مناخ سوداوي قاتم .. يبدأ من ضياع الزمن وانكسار الذات تحت وطأة قوى قمعية مجازية ومادية .. ويمر بلحظات كسوف وجودي وسياسي ليصل في نهايته إلى بصيص أمل مشروط بالسقوط .. هذا التحول من الظلمة إلى نورٍ مشروط بالفداء يعكس فلسفة عميقة حول المعاناة كضرورة للتحوّل .
2. الرموز والدلالات :
الكسوف : يتكرر بوصفه لحظة توقف وتحوّل .. رمزٌ لانهيار الحقيقة أو تغييبها .
الكسوف هنا ليس مجرد ظاهرة فلكية بل لحظة موت رمزي للوعي أو توقف للزمن .
أوديب :
الرمز الإغريقي يحضر هنا مشوّهًا .. كسلالة رمزية للحاكم المعاقب بعماه الأخلاقي والقدري وهو اختيار دال على إعادة إنتاج الأنظمة المعطوبة .
الحبل من مسد :
الاقتباس القرآني يوظف بلاغة القصاص المقدّس للدلالة على العاقبة الحتمية للظلم والغدر وعلى الارتباط بالخطايا السياسية والمجتمعية .
الشروق المكبّل بالسؤال :
يمثل الأمل المعلّق .. الجمال الذي لا يأتي إلا بعد تطهير أو سقوط .
3. الثنائيات المتصارعة :
فالنص يرتكز على تناقضات متواصلة :
الضوء / الظلام
الحلم / الكابوس
الحياة / الموت
الروح / الجسد
السقوط / التحليق
هذه الثنائيات ليست مجرد عناصر متقابلة بل تكوّن ديناميكية داخل النص وتعبّر عن صراع داخلي وخارجي .. فردي وجمعي .
4. اللغة والصور :
لغة النص مشحونة مكثفة وتتراوح بين التصوير الحسي والتجريد الفلسفي .
تتكاثر فيه الأفعال السلبية ("يخنقنا"، "أطبقوا"، "يغتصب"، "اصطدم")
لترسيخ الشعور بالعجز والاختناق .
في المقابل الصور الأخيرة في المقطع الأخير تأخذ منحى أكثر إشراقًا لكنها مشروطة بالفعل الصادم :
"لا مفرّ من السقوط"
وكأن النهوض لا يتم إلا بعد انهيار كامل .
5. التأويل السياسي والاجتماعي :
يمكن قراءة النص كتجسيد شعري لحالة أمة أو مجتمع يعيش في ظل قمعٍ وتيهٍ وقيادةٍ مشوّهةٍ تُعيد إنتاج المأساة .. لكنه في نفس الوقت لا يغلق الباب أمام الخلاص بل يشترطه بالاعتراف بالحقيقة ومواجهة السقوط .
سلمت أدواتك المتعددة والمتميزة في صياغة مزهرية ملونة تتزين بأدق باقات التجسيد العميق .
قراءة بقلم
محمد علي فتّال
**************
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق