الاثنين، 26 مايو 2025

خواطر طبية «®»«( المـسؤوليـة )» بقلم علوي القاضي.

«®» خواطر طبية «®»
        «( المـسؤوليـة )»
من ذكرياتي : د/علوي القاضي.
... من أصعب المواقف التي واجهتها ، وأدمت قلبي وأبكتني ، وأرقتني ، وأنا في بداية حياتي العملية (طبيب مقيم) ، كانت حالة طفل 4 سنوات ، يكاد يكون في جمال (يوسف) ، وحيد أبويه بعد زواج دام عشرة أعوام ، وكان يعاني من ورم فى المخ ، تم حجزه فى المستشفى لإجراء جراحة لإستئصال الورم ، تم إجراء الفحوصات وتمت الجراحة ، وتم نقل الطفل إلى العناية المركزة ، ثم للقسم الداخلى بعد إستقرار حالته 
... شاهدت الأب فى فرحة غامرة ، وكأن إبنه يتزوج ، إنفراج لأساريره وبشاشة في وجهه وبهجة وسعادة غامرة ، ومن فرحته وإمتنانه شُكر كل من قابله بالمستشفى من أصغر عامل لأكبر أستاذ ، والجميع قدم له التهاني والتبريكات لشفاء إبنه 
... لكن لأن الدنيا لاتصفو لأحد ، وقد تأتي الرياح بما لاتشتهي السفن ، للأسف لم تستمر هذه الفرحة طويلا ، فقبل التصريح له بالخروج (تحسن) ، فجأة يفقد الطفل وعيه ، وبعد الفحوصات اللازمة من أشعات وتحاليل ، إكتشفنا إستسقاء بالمخ والتهاب سحائي ، وساعتها بدأ طريق المعاناة
... أجري للطفل جراحة أخرى لتركيب صمام بالمخ ، وبدأت حرارة الطفل ترتفع من عدوى السائل النخاعى ، وبدأت حالة الطفل تسوء
... الأب من الصدمة ، لم يكن مُستوعبا مايحدث ، وتحول لحالة من عدم التوازن النفسي والصحي ، ورغم ذلك كان عنده إيمان وثقة بالله أن إبنه سينجو ، ومن شدة إهتمامه كان يسأل ويستفسر من كل المشرفين والمتابعين لإبنه ، لم يكن يريد تفاصيل ، فقط يريد أن يسمع أن إبنه يتحسن ، وأنه سيعود معه للمنزل ، فهناك (أمه) و (ألعابه) و (أقرانه) ينتظرونه بفارغ الصبر
... كان ينتظر كلمة فيها أمل ، الأب كان حرفيا يعيش فى حلم منفصل عن الواقع ، علاج الحالة تطلب نوع غالي جدا من المضادات الحيوية ، لم يكن بالمستشفى ، أو التأمين الصحى ، وكان الأب يوفره من حسابه الشخصى يوميا ، ولم يشكو أبدا من ضيق الحال بالعكس ، كان يوفر الدواء أولا بأول   
... وفجأة إختفى الأب ، وأبلغوني أن الطفل لم يتلقى العلاج ! 
... لذلك تدهورت الحالة ، ولما عاد الأب عنفته , فقد ظننت أنه أهمل وأنه غير مقدر لخطورة الحالة ، وفجأة وجدته ينهار أمامى ، رأيته لأول مرة يبكى كالطفل ، وكأنه جبل إنهار فجأة
... أعطاني علبة واحدة من العلاج ، وقال حرفيا (والله أنا مبقاش فى بيتى حاجة أبيعها) ، و أنه ذهب للمسجد يطلب منهم (صدقة) مساعدة للعلاج ، ولم يستطيع توفير غير علبة واحدة فقط ، رغم حاجتنا لأربع علب على الأقل ، ودخل الأب ونام بجوار (إبنه) الذي يحتضر ، وظل يبكي بحرقة ويعتذر له عن تقصيره
... ولأنني مقدر مشاعر الأبوة تركته رغم مخالفة ذلك للتعليمات ، كنت في حالة صدمة ، لم أكن أتصور أن قسوة الدنيا والبشر تصل لهذا الحد ، وبعدها إلتزمنا الصمت ولم يسألنا عن شئ مسلما إبنه لقضاء الله وقدره
... بعد ذلك بذلت مجهودا مع الزملاء وإتصرفنا ووفرنا بعض الدواء المطلوب ، لكن طبعاً بعد فترة من التوقف فقد حدثت الإنتكاسة
... الطفل بدأ يحتضر ، وبدأت محاولات لإنعاش القلب ، و بالضغط على صدره بشده ، فكان الأب وهو ينتحب يحاول أن يمسك بيدي حتى لا أوجع إبنه ، فى مثل هذه المواقف يجب أن يكون الأهل خارج العناية ، ولم أدري لماذا لم أفعل ذلك ، وتركت الأب , رغم صياحة ، واستمريت فى محاولات الإنعاش وقت أطول من الطبيعى ، مع أن بخبرتي أعلم أنه لا أمل ، فقد كنت أريد أن أبذل قصارى جهدي ولا أكون مُقصِرا ، وفارق الطفل الحياة ، وصعدت روحه الطاهرة النقية إلى بارئها 
... قال الأب لي جملة واحدة وهو يستلم تقرير الوفاة ، (أنا إبنى لم يمت النهاردة يادكتور علوي ، إبنى مات يوم معرفتش أجيب له الدواء ، ومشي وسابنى ، عاقبني على تقصيري في تحمل مسؤلياتي نحوه ، ياترى يادكتور فيه حد تاني مسؤول عن التقصير ده وهيتحمل ذنبنا كلنا ؟!)
... من أجل ذلك ، ضروري أن نبحث عن هؤلاء الفقراء والمحتاجين ونعطيهم زكاتنا وصدقاتنا ، وخصوصاً في هذه الأوقات الصعبة ، الناس دي محتاجانا أكتر من أى وقت تاني ، و هم كثيرون والله 
... اللهم أرحم نفوسا تتألم ولا تتكلم ، يارب ، لقد أنخنا مطايانا ببابك ، ولا أحد لنا غيرك ياألله ، اللهم إليك نشكو ضعف قوتنا ، وقلة حيلتنا ، وهواننا على الناس ، يا أرحم الراحمين ، إلى من تكلنا ، إلى عدو يتجهمنا ، أو إلى قريب ملكته أمرنا ، إن لم يكن بك علينا غضب فلا نبالي ، غير أن عافيتك أوسع لنا ، نعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن تنزل بنا غضبك ، أو يحل علينا سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك 
... تحياتى ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

الإنسان والوجود بقلم طارق غريب

الإنسان والوجود طارق غريب يكتب : الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بأن يكون موجوداً، بل يتعثر بسؤال الوجود نفسه. الحجر موجود ولا يسأل ،...