بقلم جــــبران العشملي
«ــــــــــــــــــــــــ☆☆ــــــــــــــــــــــــــــ»
في الهامشِ المنسيِّ من خريطةِ الوجع،
هناك، حيثُ لا تصلُ يدُ الله إلا خلسة،
ولا تعبرُ العدالةُ إلا متخفيةً بثيابِ الوعود،
يُخلق الإنسانُ ناقصًا،
لا من ضلعٍ نُزع،
بل من كرامةٍ دُفنت حية،
من وطنٍ يكتبُ أسماءَ الشهداء أكثر مما يكتبُ أسماء المواليد،
ومن أمٍّ تُرضِعُ صمتها، وتلدُ وجعًا جديدًا كل صباح.
هناك، حيثُ يُكسرُ الصوت قبل أن يولد،
وتُغتالُ الأحلامُ وهي في المهد،
يصرخُ الحجرُ الذي لم يتعلّم الكلام،
وتنتحبُ الشجرةُ التي اعتادت على الفقد،
ويقهقهُ الجلّادُ في منتصفِ النشيد،
كأنّ الضحكَ خيانةٌ أخرى.
كنتُ طفلًا لا يُشبهُ الطفولة،
كنتُ سؤالًا مصلوبًا في حنجرةِ مدينةٍ خرساء،
تعلّمتُ النشيد الوطني على إيقاعِ الخوف،
لا من بردِ الشتاء،
بل من جدرانٍ تُجيدُ الصفع،
ومن علمٍ مرفوعٍ على ساريةِ الهزيمة.
كلُّ شيءٍ كان يعلّمني الانحناء:
بابُ المدرسةِ القصير،
هراوةُ الجندي،
ورغيفُ الخبزِ المغمسِ بالدموع،
وكلُّ شيءٍ كان يصفعني لأقف،
كصخرةٍ تتحدى السيل،
ككلمةٍ يتيمةٍ ترفضُ الصرف والنحو.
يا أولئك المدفونين تحت طبقاتِ النسيان،
في فقرٍ يتنفسُ الغبار،
وفي جهلٍ يرتدي ثيابَ العيد،
وفي أحلامٍ خُنقتْ قبل أن تتعلمَ الطيران…
هل سمعكم أحد؟
هل رأى أحدكم دمعتكم حين تخثّرت في كهفِ الوحدة،
ثم انفجرت كبركانٍ من دون شاهدة؟
إن الجوعَ لا يُسمع،
إلا حين يُترجمُ إلى رصاصة،
والحريةُ لا تُفهم،
إلا حين تُشوَّه بقناعِ الفوضى.
أنا لستُ شاعرًا…
أنا نداءٌ محظورٌ من التاريخ،
لغمٌ دفنوهُ في صدرِ الزمن،
وكلُّ جملةٍ أكتبها،
هي محاولةُ نجاةٍ من الغرقِ في صمتِ العالم.
لكن قُل لي…
لماذا نولدُ في زمنٍ لا يسألنا إن كنّا نرغبُ بالحياة؟
ولماذا نُجلدُ لأننا صرخنا ونحن نختنق؟
من نصبَ الحزنَ حارسًا للبوابات؟
ومن علّق الأملَ على مشانقِ الغد؟
أنا لم آتِ لأهدأ،
بل لأشعلَ الأسئلة،
لأكتبَ وصايا الذين ماتوا ولم تُقرأ أسماؤهم،
فالذين ماتوا صامتين،
يصرخون الآن في دمي:
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق