الأربعاء، 21 مايو 2025

التواضع و الخيلاء بقلم علوي القاضي

 «[®]» خواطر طبية «[®]»

       التواضع والخيلاء 

من ذكرياتي : د/ علوي القاضي

... العلم يرفع بيوتا لا عماد لها ، والجهل يهدم بيت العز والكرم ، وبالعلم والمال يبني الناس ملكهم ، لن يبني ملك علي جهل وإقلال ، هذا ما أؤمن به واستقر في قلبي وعقلي ووجداني

... ومن هذا المنطلق ، يجب على الحكومات أن تهتم بالتعليم والبحث العلمي والصحة ، فالعقل السليم في الجسم السليم هكذا ترقي الأمم إن أرادت أن تسود العالم

... في أحد مؤتمرات القلب التقيت بأستاذ الأساتذة  الدكتور (علي رمزي) بصالة الفندق في العين السخنة ، وكان بيده كوبا من العصير ، قد جهزه له عامل الفندق ، وما أن ظهرت أمامه ، قدمه لي ، وأصر على إعطاءي إياه ، ثم شكرته ، وزاد طمعي في كرمه فطلبت منه صورة تذكارية مع أولادي فوافق على الفور وقبلهم وتنبأ لهم بمستقبل باهر ، وقد كان وقال مداعبا (إبن الوز عوام) ، هكذا يكون التواضع فاستاذنا الدكتور (علي رمزي) قيمة وقامة ، وأنا بالنسبة له تلميذ تلميذه ، ولكنه يتمتع بروح سمحة ، وقلب عطوف ، وتواضع جم ، هكذا تكون أخلاق العلماء ، (من تواضع لله رفعه) ، وفي نفس المؤتمر إلتقيت بالأستاذ الدكتور (شريف مختار) ، وهو غني عن التعريف قيمة وقامة علمية وهو غني عن الوصف فتاريخه العلمي يسبقه ، وكان لقاءي معه يمتلئ بالحفاوة والترحيب

، وعلى الجانب الٱخر رأيت بعض الأستاذة بصحبة حراس عن يمينه ويساره ، وهذا الموقف ذكرني برؤساء العصابات الذين لايتخلوا عن حراسهم خشية الإغتيال

... هذا التناقض الموجود في مكان واحد ، وتوقيت واحد ، ومؤتمر واحد ، ونفس المستوى العلمي ، يجعلني متؤكدا أن المسألة ماهي إلا تركيبة الشخصية التي تعكس أسلوب التربية ، وبيئة المربي وفلسفته في الحياة

... في الحديث القدسي يقول المولى عز وجل مامعناه (الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني فيهما أذقته عذابي ولا أبالي)

... قبل التحاقي بكلية الطب ، كنت أتعجب لمعظم طلبة الكلية من الأقارب والجيران حينما يفرضون على ذويهم وأقاربهم وجيرانهم بنداءهم بلقب (دكتور) ، حتى بعد التخرج يفرضوا عليهم ذلك

... مايجعلني أبحث في باب التفاخر بلقب (دكتور) ، فالعِلم الذي لا يزيدُ صاحبه تواضعاً هو جهل مقنع !

... ومن الأقوال الشهيرة لـ (إلفرد دو موسّيه) الشاعر والأديب الفرنسي (ليس للرجل سوى مجدٍ واحد حقيقي ، هو التواضع) ، والملاحظ أن بيئتنا العلمية والأكاديمية ما تزال تشهد هوسا كبيرا بالألقاب العلمية (أستاذ ، دكتور ، بروفيسور) وتفاخرا مبالغا فيه بالشهادات ، في الوقت الذي لا تعبر فيه هذه الشهادات عن المستوى الحقيقي لأصحابها وبالذات الأخلاقي إلا من رحم ربي ، ولا ننسى الأستاذ الدكتور المشهور الذي أجبر عامل العيادة أن يعتذر ويركع أمام كلبه ، وأصبحت القضية رأي عام

... الكاتب والأديب (أدهم شرقاوي) كتب عن هذا الموضوع فقال :

([ يقولُ ماثيو ماكونهي : الشهادة ورقة تُثبت أنك متعلم ، ولكنها أبداً لا تثبتُ أنك تفهم ! ، لستُ أُقلل من قيمة الشهادات ، معاذ الله ، ولكني ضدَّ أن يكون الناس عُبَّاداً للألقاب ، والبريستيج الفارغ ، والتعالي الثقافي ، لأني على يقين أن العِلم الذي لا يزيدُ صاحبه تواضعاً هو جهل مقنع ! ، وأكثر مرحلة علميّة اعتقدتُ فيها أني أعرفُ الكثير هي عندما كنتُ في الإبتدائي ! كنتُ أعتقدُ أني نابغة ! وكنتُ كلما إنتقلتُ من مرحلة إلى مرحلة إكتشفتُ مساحة جهلي ! أما اليوم فأنا أجهل أهل الأرض إن لم تدركني (ففهمناها سُليمان) ، فاللهم أصْلِح لي قلبي ! ، لا يخفى على شريف علمكم أنَّ بعض الناس يضعون حرف (الدال) قبل أسماءهم من باب (الفشخرة) الفارغة ، أعرفُ دكتوراً ، لو طلبَ فاتورة من البقالة ، يشترط على صاحب البقالة أن يضع حرف (الدال) قبل إسمه ! كما أن بعض الناس يضعونها وهم يستحقونها فعلاً ، علماً وأدباً وأخلاقاً ، وتبقى المسألة حرية شخصية ، ولأنها كذلك فقد قررتُ أن لا أضع حرف الدال قبل اسمي ، ولا على أغلفة كتبي ، ولا مقالاتي في الصحيفة ، ولا حساباتي في مواقع التواصل ، وأرجو من كل من يعرفني أن لا يناديني (يا دكتور) فإنّ الله قد نهى عن التنابز بالألقاب ! كذلك لن أجلس على منصة ، أو أُلقي محاضرة إذا سبقني حرف الدال إليها ! ، أرجوكم جميعاً ، أن تحترموا رغبتي في هذا الأمر ، أنا من الذين تكفيهم أسماؤهم ! ])

... ومن هذا القبيل يعج الفيس بوك والمنتديات والاكاديميات والمجلات الأدبية بشهادات الدكتوراة الفخرية ، ومن الممكن أن يكون هذا المكرم تعليمه متوسط أو أقل ، وما أسهل أن يضيف لإسمه لقب (دكتور) فلا رقيب ولا حسيب ، ماهو إلا تعويض لنقص في الشخصية ، أو إرضاء لنفس أمارة بالسوء

... اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا ولاتحاسبنا بما فعل السفهاء منا

... تحياتي ...


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

الإنسان والوجود بقلم طارق غريب

الإنسان والوجود طارق غريب يكتب : الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بأن يكون موجوداً، بل يتعثر بسؤال الوجود نفسه. الحجر موجود ولا يسأل ،...