الأحد، 8 يونيو 2025

قراءة نقدية للأستاذ محمد علي فتال في نص وشم يزين صدرها بقلم جهاد صباهي

 وشمٌ يُزيّنُ صدرَها

الشاعر الدكتور جهاد صباهي

 

جاءتْ بعد ألفِ عامٍ كَطيفْ 

في ليلةِ صيفْ 

معصوبةَ القلبِ 

سجينةَ الحاضرْ

في عينيها بريقٌ خَبا 

وعلى وجنتيها حكايا الصِبا

في يدِها كتابٌ جفَّت بينَ أوراقِهِ الورودْ

وفي قلبِها أوزارُ الوجدِ والصدودْ

تسيرُ متثاقلةً خجولَةً 

كأنَّها ضَيفْ


وقفتْ على بابِ القصيدةِ 

تطرقُ نبضَها

توقِظ الصمتَ النائِمَ فيها

تستدرجُهُ إلى نهدٍ ملأَ فمَهُ بغنائهِ العجيبْ

كلُّ طفلةٍ ستكبُرُ .. إلا أنا

طفلة لا تُريدُ الخروجَ من قبلَتِها الأولى

غافيةً منذ ولادةِ الكونِ

على شفتيها

أنسيتَها ؟؟

وكشَفتْ عن وشمٍ يُزيّنُ صدرَها

هو شاهدٌ على يومِ ولادتيْ

امرأةٌ عاشقةٌ

ذابتْ بين يديكْ

كنتَ مُغْمَضَ العينينِ

تتلمَّسُ طريقَكَ

دليلُكَ بشفتيكْ

وبأصابعِ كفّيكَ 

رسمتَ معالمَ الجمالِ على جسديْ

وهمستَ بِأُذُنيْ

عندما أغمِضُ عينيَّ أراكِ

سِحراً يُضيءُ ليلتيْ

يكشُفُ سرَّ قُبْلَتيْ

وشمٌ يُزيّنُ صدرَكِ


بريقُ الماضي سيلٌ جارفٌ ساقني إليكْ

أجرُّ خلفي قلباً أتْعَبتْهُ فوضى الغيابِ

لاوقتَ للعتابْ

أَغمضْ عينيكَ لترانيْ

أَخْلَعُ قميصي وأُلقيه بينَ يديكْ

لأريكَ عِشقاً مازالَ صداهُ يَصبو إليكْ

لأريكَ قمراً مازالَ وقعُ خُطاكَ عليه

لأُريكَ عالماً مازالَ جنونُكَ بين يديه

أرأيتْ .. ؟

أبعدَ هذا تسألني من أنا ولماذا أتيتْ

أنا ماضٍ ممتلىءٌ بالحبِ

لم يُطفئْهُ الزمنْ

أنا طفلةٌ كبُرَتْ على الصبِّ   

لم يمحُها الشجنْ

قبلةٌ أدمنَتْ طعمَ الخمرةِ على شفتيكْ

دعنا نملأُ كأسينا من شهدِ القُبَلْ

نشربُ نخبَ الصفحةِ الأخيرةْ

ارفعْ كأسكَ

وارسمْ الوشمَ كما تشاءْ

الحياةُ تبدأُ هذا المساءْ


د . جهاد صباهي

******************


أجمل ما فيك دكتور جهاد هو تطوّرك .. 

أنك لا تكرّر ذاتك بل تُراكم التجربة وتنقلها من شكل إلى آخر

تمامًا كما يفعل العاشق الناضج لا يغيّر محبوبته بل يكتشف فيها وجهًا جديدًا في كل مرّة يراها .


لقد خلعتَ على القصيدة ثوبًا جديدًا من الدهشة والاكتمال .

“وشمٌ يُزيّنُ صدرَها” ليست فقط أكثر نضجًا .. بل أصبحت تفيض بالأنوثة المتماهية مع الشعر بالوجع المتأجج من الذاكرة .. وبالعودة المتحدية للنسيان .


“وشمٌ يُزيّنُ صدرَها” ليست فقط امتدادًا لحوارياتك الثلاثة السابقة :

ممنوعٌ من الدخول

عناقٌ في الخيال

ماذا فعلتَ بقلبي ؟


بل هي قفزة في طريقة التعبير .

خرجتَ فيها من ثنائية “أنا وأنتِ” إلى مساحة “أنا التي عادت بكل الماضي” .

وصار التفاعل أكثر جسارة وصدقًا … كأنها هي من عادت تكتب إليك لكن بأبجديتك أنت .


هذه القصيدة تنتمي بامتياز لزمن ما بعد الحوار ..

زمن المكاشفة … لا التلميح

زمن المواجهة بين الذاكرة والجسد

زمن المرأة التي لم تعد تنتظر سؤالك “من أنتِ؟”

بل تُجيب قبل أن يُطرح السؤال .


باختصار:

أنت هنا لم تكتب قصيدة فقط بل رسمت وشمًا من الكلمات على قلب القارئ .

هي قصيدة تصلح أن تُلقى في أمسية شعرية فيضج بها المكان تصفيقًا ودهشة ..


بعض الملاحظات النقدية الأدبية :


1. البناء الدرامي:

بدأت القصيدة بصورة مشهدية مؤثرة : جاءتْ بعد ألف عامٍ كطيف…

هذا مدخل ذكي يُدخل القارئ مباشرة إلى الحنين والغموض ..

ثم تصاعدت القصيدة عبر انتقالها من السكون إلى الانفجار العاطفي .


2. اللغة والانزياح الشعري :

استخدمتَ استعارات رائعة مثل :


وفي قلبِها أوزارُ الصدودْ

وشمٌ يُزيّنُ صدرَكِ

أنا قبلةٌ أدمنَت طعمَ الخمرةِ على شفتيكْ


هذه الصور تحمل لغة مشبعة بالرمز والدلالات .. وتجعل القارئ يعيش اللحظة لا يقرأها فقط .


3. الجرأة العاطفية والجسدية :

نعم هنالك وضوح وجرأة في تصوير العلاقة الجسدية ضمن إطار شعري راقٍ  :


أخلعُ قميصي وأُلقيه بين يديك

لأريكَ قمراً…

لكن الجرأة هنا ليست مبتذلة ..  بل هي مغموسة في العاطفة والحنين ولا تخدش الذوق بل تدل على صدق التجربة .


4. التكرار والتوازي البنيوي:

استخدامك لتكرارات مثل لأريكَ قمراً .. لأريك عالماً

يُضفي على النص إيقاعًا عاطفيًا يتصاعد مع كل بيت وهذا يعزز البناء الشعري ويُغني الموسيقى الداخلية .


وفقكَ الله دكتور جهاد فعلاً أمتعتنا كعادتكَ بهذا الوشم الساحر . 


عمر الخيام الدمشقي

روائي وناقد أدبي

****************


القوة التصويرية والرمزية :


   القصيدة تزخر بصور ذات بُعد جمالي وعاطفي كبير، مثل "وشمٌ يُزيّنُ صدرَها" الذي يعمل كرمز للذاكرة والحب والتاريخ العاطفي . 

هناك دلالات حية في "في يدِها كتابٌ جفَّت بينَ أوراقهِ الورودْ" التي تجسد التحول والزوال بتعبير أنيق .


التركيب الإيقاعي والتناغم :


   هناك انسجام في البناء الإيقاعي خصوصًا في التكرار مثل :

"أنا ماضٍ ممتلىءٌ بالحبِ لم يُطفئْهُ الزمنْ" 

و"أنا طفلةٌ كبُرَتْ على الصبِّ لم يمحُها الشجنْ". 

هذا التوازي يضيف إلى الأثر الموسيقي للنص ويمنحه نوعًا من الإيقاع الداخلي .. لكن يمكن تعزيز الانسيابية في بعض المقاطع التي قد تبدو متثاقلة قليلًا .


التركيز على بعض الصيغ البلاغية :


   التلاعب بالأضداد حاضر مثل "كلُّ طفلةٍ ستكبُر .. إلا أنا"

حيث يتحقق التوتر بين النمو والثبات .. لكن ربما يمكن تقوية التفاعل بين المشاعر والصور بجعل الانتقالات أكثر سلاسة بحيث لا يشعر القارئ بانفصال بين الفقرات .


التطور السردي للقصيدة :


   تبدأ القصيدة بصورة غامضة لشخصية تأتي "بعد ألف عام"

ثم تنكشف تدريجيًا مشاعر الشوق والحنين حتى تصل إلى لحظة المواجهة الرمزية في "ارفعْ كأسكَ وارسم الوشمَ كما تشاءْ"، مما يخلق تصاعدًا دراميًا ممتازًا .. مع ذلك يمكن تعزيز وحدة الفكرة بحيث تبقى بعض الاستعارات أكثر وضوحًا في علاقتها بالسياق العام .


قوة الخاتمة :


   النهاية تحمل حسًّا احتفاليًّا رغم طابعها العاطفي العميق ..

فـ"الحياةُ تبدأُ هذا المساءْ" يعطي إحساسًا بالتجدد والمصالحة مع اللحظة . 

هذا خيار جميل يترك تأثيرًا مشحونًا بالمعاني .


محمد أنمار حجازي

شاعر وناقد أدبي

***************


يا صديقي الشاعر الحكيم 


أيةُ امرأةٍ هذه التي جئتَ بها من ضوءِ الأسطورة ، وسكبتَ ملامحَها بين سطورك ؟!

قصيدتُك ليست مجرد بوحٍ ، بل وشمٌ لغويٌّ على صدرِ الشعر نفسه ، ندبةُ عشقٍ لا تريدُ أن تبرأ ، ومكاشفةٌ جريئة ترقصُ عند تخوم الحنين والغريزة ... دون أن تسقط في الابتذال .


في "وشمٌ يُزيّنُ صدرَها"، نراك تحرّر الحبَّ من قيودهِ العتيقة ، وتعيد تشكيله أنثى من ضوءٍ وصوتٍ وجسدٍ يشتعل بالذكرى ، لا بالجسد نفسه ، أنثى عرفتَها قبل أن يولد الوقت ، فكبرتْ فيكَ .. وها هي تعودُ بعد ألفِ عامٍ، لتوقظَ القصيدةَ والنهدَ معاً ، وتعيد ترتيب متعة الحضور بعد طول غياب .


جمال القصيدة في أنها تتحدث عن الحميميّ بخجلٍ متعمَّد ، وعن الشوقِ بفصاحةٍ مسكوت عنها .

هي رومانسية ، نعم ، لكنها تُداعب الغريزة عن بُعد ، كأنها قبلةٌ خُطّت بالحبر لا بالشفاه ، فارتجف لها المعنى .


والوشم الذي في صدرها ليس مجرّد أثرٍ جسديّ ، بل هو تاريخ الولادة الثانية ، حين يصبح الحبُّ هو البداية الحقيقية للوجود .

هذه امرأة لا تطلبُ تفسيرًا، بل حضورًا . لا تعتذر عن ضعفها ، بل تجعل من الضعفِ سحرًا ، ومن النداء عتبةً لميلادٍ جديدٍ :

"ارفعْ كأسكَ

وارسمْ الوشمَ كما تشاءْ

الحياةُ تبدأُ هذا المساءْ"


يا صديقي :

لقد كتبتَ امرأةً لا تُنسى ، ووشمًا لا يُمحى ، ونصًا لا يُقرأ إلا بنبضٍ مفتوح ، وبقلبٍ لا يخشى التورط .


دمتَ شاعرًا يعرف كيف يضع الكلمة حيث تشتهيها الروح .


قراءة نقدية بقلم

محمد علي فتّال

***************


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

الإنسان والوجود بقلم طارق غريب

الإنسان والوجود طارق غريب يكتب : الإنسان هو الكائن الوحيد الذي لا يكتفي بأن يكون موجوداً، بل يتعثر بسؤال الوجود نفسه. الحجر موجود ولا يسأل ،...