الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد (صلى الله عليه و سلم) أما بعد : عباد الله : ـــــ
من صفات أهل الجنة ، الوفاء بالعهد والميثاق والشرط ، قال الله (عز وجل) : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }[ المؤمنون : 1 ــــ 11] .
ومن صفات المؤمنين المتقين الخائفين من رب العالمين ، الذين هم أهل الجنة، الوفاء بالعهد والميثاق والشرط ، قال الله (عز وجل ) : { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ }[البقرة : 177]
ولعظم مكانة وأثر الوفاء بالعهد والميثاق والشرط في حياة المسلمين العامة ، نجد أن الله ( عز وجل ) أمر به أمراً صريحاً فقال :{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ }[المائدة : 1] .
،والمراد بالعقود : العهود. والعقود أو العهود تشمل ما أحل الله وما حرم ، وما فرض وما حَد ، وما أظهر من معاملات وأخلاق في القرءان الكريم أو السنة النبوية المطهرة ؛ أخرج الإمام البيهقي في شعب الايمان عن مقاتل بن حيان قال : بلغنا في قوله ( يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود ) يقول : أوفوا بالعهود يعني العهد الذي كان عهد اليهم في القرآن فيما أمرهم من طاعته أن يعملوا بها ، ونهيه الذي نهاهم عنه ، وبالعهد الذي بينهم وبين المشركين ، وفيما يكون من العهود بين الناس ) .
وإن أعظم هذه العُهود التي أخذها الله ( عز وجل ) علي عبادة هو عهد الإقرار بوحدانية الله ، فلا رب غيره ولا معبود سواه ، لا نِد له ولا شبيه ولا نظير له ، خلق الخلق بقدرته، وتكفل بأرزاقهم ، وقد ر آجالهم ، وأحصي أعمالهم ، قال الله ( عز وجل ) مخبراً عن ذاته :{ فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ * لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [الشوري : 11 ـــ 12] .
ولعظم عهد التوحيد الخالص لله (عز وجل) نجد أن الله ( عز وجل ) بعد أن خلق آدم ، استخرج ذُرية آدم من ظهره ، وهم كل مولود من لدن آدم إلي أن تقوم الساعة ، استخرجهم وهم ذرات صغيرة ، وقال لهم : ألست بربكم ؟. قالوا : بلي ، وحذرهم من الزيغ والضلال حال خلقهم ووجودهم في الحياة بأن يُشركوا بالله ، ويقولوا إنما فعلنا ذلك مِثل آبائنا .
الله (عز وجل) جعل هذا العهد قرءاناً يُتلي إلي يوم القيامة حتي لا نحيد عنه ، وجعل في الكون المنظور من الأدلة الكثيرة التي تدل علي وحدانيته ، فيقول وهو أصدق القائلين : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [الأعراف : 172 ـــ 174] .
وجاءت السنة النبوية مؤكدة وشارحة لهذا المعني ، وأن الله أخذ عهد التوحيد من آدم ، وذريته بعد أن استخرجهم له من ظهره وهم ذرات ، وهو في أرض عرفة الطاهرة ـــــــ أرض اجتماع الخلق لأداء الحج والعمرة ؛ روي الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَخَذَ اللَّهُ الْمِيثَاقَ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ بِنَعْمَانَ يَعْنِي عَرَفَةَ فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ كُلَّ ذُرِّيَّةٍ ذَرَأَهَا فَنَثَرَهُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالذَّرِّ ثُمَّ كَلَّمَهُمْ قِبَلًا قَالَ: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟. قَالُوا: بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ) .
وأبان الحق تبارك وتعالي أن نقض عهد التوحيد وعدم القيام به ، هو أعظم الذنوب وأنه خطيئة لا تُغتفر ، قال سبحانه وتعالي : { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا }[النساء : 48] .
وقال : { إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا }[النساء : 116].
وثاني أهم هذه العُقود ، عقد الإيمان بأن حبيبناً محمداً عبد الله ورسوله ، والإيمان بكل ما جاء به ، وعدم الوفاء بهذا العقد خطيئة لا تُغتفر ، حيث قال الله عز وجل : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ }[الحشر: 7] .
وإن من أجل العُقود التي بها ينتظم سير الحياة المجتمعية ، عقد الزواج ، فبهذا العقد تحيا الأُسر في ظِلاله حياة كريمة كُلها مودة ورحمة ، إن قام الزوجان بتقديس تعاليمه ، وعرف كُل منهما حدوده ومحاذيره ، فإذا أيقن الزوج بأنه مسئول أمام الله عن إطعام زوجته وكسوتها وعدم إهانتها ، وحفظ دينها بدوام الوعظ والإرشاد والنصيحة الصادقة الهادفة إن رأي بعض الفتور في الطاعة والعبادة ؛ روي الإمام أبو داود من حديث حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟. قَالَ : ( أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوْ اكْتَسَبْتَ ، وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ ، وَلَا تُقَبِّحْ ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ ) .
وإذا رأي في أهله اعوجاج في السلوك والأخلاق قام بتعديله وتقويمه ، ولا يسكت أبداً علي سوء خُلق أو معاملة ، وإذا سكت ولم يهتم ولم يُبالي ولم يَغار ، حرم الله عليه الجنة ؛ روي الإمام البيهقي في ( شُعب الإيمان ) من حديث عمار بن ياسر : عن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال : ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً : الديوث من الرجال ، و الرجلة من النساء ، و مدمن الخمر ) . فقالوا : يا رسول الله أما مدمن الخمر فقد عرفناه ، فما الديوث من الرجال ؟. قال : ( الذي لا يُبالي من دخل على أهله) قلنا : فالرجلة من النساء ؟. قال : ( التي تُشبه الرجال ) . وذكر المنذري في ( الترغيب والترهيب ) حديث عمار بن ياسر ، وقال: ( رواه الطبراني ورواته لا أعلم فيهم مجروحاً وشواهده كثيرة ) .
وعلي المرأة الوفاء بمطالب عقد الزواج ، فعليها طاعة الزوج فيما أمر ، مادام الأمر فيه طاعة الله ، وأن تُدخل البهجة والسرور عليه ، وألا تكون مصدر هم وغم وحزن كلما خرج وعاد ، وأن تحفظ معيشته بالتدبير والرعاية والعناية ، وأن تحفظ نفسها من الفواحش والفتن ، وأن تكون وِعاءً صالحاً له ولأولاده ؛ روي الإمام ابن ماجه من حديث أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : ( مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرًا لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا نَصَحَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ ) .
ويجب علي المرأة ألا تسأل زوجها الطلاق أبداً ، مادام يقوم برعايتها واحترامها ، وإن سألته الطلاق بلا مُبرر يَستحيل معه العِشرة ، فقد حرم الله عليها الجنة ؛ روي الإمام أحمد من حديث ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : ( أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلَاقَ مِنْ غَيْرِ مَا بَأْسٍ ، فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ ) .
وعقد الزواج من العُقود الهامة الخطيرة التي يترتب عليها آثار كثيرة مُدمرة للفرد والمجتمع إذا لم يتم الوفاء بها من الزوجين ، فلذلك أمرنا الحبيب (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) بالوفاء بها ؛روي الإمام البخاري ومسلم من حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : ( أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ تُوفُوا بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ ) .
وإن من أجل وأعظم العُقود التي أمرنا بها الإسلام لكي نحيا علي ظهر هذه الأرض حياة آمنه مستقرة ،حتي نحقق مراد الله ( عز وجل ) من الاستحلاف في الأرض ، بعبادته وحده لا شريك له ، وعمارة الكون ، ولن تتحقق عبادة الله ( عز وجل ) وعمارة الكون في ظل وجود الكراهية والبغضاء وسفك الدماء بين بني البشر ، لذا حرم الإسلام كل شيء من شأنه أن يُعكر صَفو الأمن والأمان والهدوء والاستقرار في المجتمعات الانسانية.
فحرم الإسلام تخويف المسلم أو تفزيعه أو غير المسلم بالفعل أو بالقول أو بالإشارة .جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وحسنه أهل العلم من حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) فِي مَسِيرٍ ، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى نَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهَا ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ فَزِعَ ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ ، فَقَالَ : مَا يُضْحِكُكُمْ فَقَالُوا لَا ، إِلَّا أَنَّا أَخَذْنَا نَبْلَ هَذَا فَفَزِعَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): ( لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا ) . وفي رواية أخري عند أبي داود أن الذي أُخذ من الرجل كان حبلا ، وهي بلفظ : ( أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ النَّبِىِّ (صلى الله عليه وسلم) فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى حَبْلٍ مَعَهُ فَأَخَذَهُ ، فَفَزِعَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم):( لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا ) .
ففي هذا الحديث أدخل الصَحابي الخوف والفزع علي قلب أخيه المسلم ؛ لذا قال (صلى الله عليه وسلم) : ( لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا ) أي يحرم علي المسلم إدخال الخوف والفزع علي قلب المسلم بمثل هذا الفعل ، بل وادخال الخوف والفزع علي قلب غير المسلم بمثل هذا الفعل حرام أيضا ؛ لما رواه النسائي من حديث أبي هريرة ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) قال : رَسُولِ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : ( الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ) . ولفظ الناس في الحديث لفظ عام يشمل جميع الناس مؤمنهم وكافرهم .
وقد أكد الحبيب (صلى الله عليه وسلم) : علي تحريم إخافة وتفزيع المسلم أو غيره بالأفعال في أكثر من موطن ؛ روي الإمام البخاري ومسلم من حديث أَبِى مُوسَي (عبد الله بن قيس الأشعري (رضي الله عنه) عَنِ النَّبِىِّ (صلى الله عليه وسلم) قَالَ : إِذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِى مَسْجِدِنَا أَوْ فِى سُوقِنَا ، وَمَعَهُ نَبْلٌ ، فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ ، أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا بِشَىْءٍ ) .
كما أكد الإسلام علي تحريم إخافة وتفزيع المسلم أو غيره بالإشارة ؛ روي الإمام البخاري ومسلم من حديث أبي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) عَن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا يُشِيرُ أَحَدُكُمْ عَلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي ، لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ ، فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنْ النَّارِ ) . وعند مسلم من حديث أبي هُرَيْرَةَ ( رضي الله عنه ) قَالَ : قال أَبُو الْقَاسِمِ (صلى الله عليه وسلم) : مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَلْعَنُهُ ، حَتَّى وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ ) .
قال العلامة ابن بطال: وفي الحديث النهي عما يُفضي إلى المحذور وان لم يكن المحذور مُحققاً سواء كان ذلك في جَد أو هَزل ) .
كما أكد الإسلام علي تحريم إخافة وتفزيع المسلم أو غيره بالقول ؛ فقد روي أبو يعلي من حديث أَبِى هُرَيْرَةَ ( رضي الله عنه ) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) : ( مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِىَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَكْتُوبٌ عَلَى جَبْهَتِهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ) .
وحرمة غير المسلم الذي أعطيناه عهد أمان بأن يقيم علي أرضنا بموجب تأشيرة دخول أو إقامة ، كحرمة المسلم بالتمام لا يجوز الاعتداء عليه بقول أو فعل أو إشارة ، ومن يعتدي عليه فإن حبيبنا محمداً ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) من يأخذ له حقه يوم القيامة ممن ظلمه ؛ روي الإمام أبو داود من حديث جماعة من الصحابة عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) أنه قَالَ : ( أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) .
ومن اعتدي عليه بالقتل لن يجد رائحة الجنة ، روي الإمام البخاري من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ : ( مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا ) .
وإن من لم يُقم بالعُهود والمواثيق ، فقد ضعف إيمانه ، ويُخشي عليه الهلكة في الدنيا والآخرة ؛ روي الإمام أحمد من حديث أَنَسٍ بن مالك ( رضي الله عنه ) قَالَ مَا خَطَبَنَا النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) إِلَّا قَالَ: ( لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا أَمَانَةَ لَهُ ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا عَهْدَ لَهُ ) .
وإن الذي لا يفي بالعُهود والمواثيق في الدنيا يفضحه الله عز وجل يوم القيامة أمام الخلق جميعاً ، روي الإمام البخاري ومسلم من حديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ( رضي الله عنهما ) قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) : ( إِنَّ الْغَادِرَ يَنْصِبُ اللَّهُ لَهُ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، فَيُقَالُ : أَلَا هَذِهِ غَدْرَةُ فُلَانٍ ) .
فيا من تَدعي أن لله نِداً أو شريكاً أو زوجة أو ولداً ، وتنقُض العهد والميثاق الأول الذي أخذه الله منك وأنت في ظهر أبيك آدم ، احذر أن تقف يوم القيامة ولك لواء مكتوب عليه غدرك وخيانتك للعهد ، وتُب إلي ربك وارجع إليه قبل أن تخرج الروح من الحُلقوم .
ويامن تنقُض عهد وميثاق الزواج الغليظ وتؤذي زوجتك وتضيعها وأولادها ، ويامن تنقضي عهد وميثاق الزواج الغليظ وتؤذي زوجك وتضيعي أولادك ، أفيقا وتُوبا إلي الله وأحسنا العِشرة واجمعا شمل الأسرة المُهدد بالضياع ، قبل انعقاد لواء الغدر والخيانة يوم القيامة .
ويامن تُؤذي عباد الله بقول أو فعل أو إشارة ، تُب إلي الله وارجع إليه ، وراجع النفس الأمارة بالسوء ، قبل أن يُعقد لك لواء الغدر والخيانة والخِسة والحَقارة ، ويُطالبك من آذيتهم بحقوقهم .
أفيقوا عباد الله ، اليوم عَمل ولا حِساب وغداً حِساب ولا عمل ، اليوم بمقدورك مُراجعة نفسك وتغيير حساباتك ، أما بعد الموت فلا .
اللهم اجعلنا من الذين يستمعون فيعون ويفهمون ويفقهون ويعملون ، فيؤجرون من رب العالمين .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق