قصة حقيقية وليست خيالية وبطلُها مازال حياً اقترب من التسعين من عمره.
كُنت أعمل في أحد المساجد الكُبرى في إحدي المُدن الكبرى ، ولاحظت وجود رجل مُسن في معظم الصلوات ، وذات يوم قال لي هذا المُسن : لو أكثرت من القراءة في الصلاة الجهرية والسرية وأطلت الركوع و السجود لكنت أفضل إمام وأنت إمام فاضل بلا شك ، فقلت له: لو طلب مني هذا الطلب شاب لرفضت وأنت رجل مُسن فأنا لا أُطيل الصلاة من أجل الرفق بكبار السن ، فقال لي: أنا مُسن وأتحمل التطويل في الصلاة ، فقلت له: أنت تتحمل التطويل في الصلاة لكن الأكثر من كبار السن لا يتحملون التطويل في الصلاة ، وأنا إمام أُراعي حال جماعة المُصلين ، كنت أتوقع أن هذا المُسن سيبتعد عني بعد رفض طلبه لكنه تفهم وِجهه نظري وفتح لي قلبه.
قال المُسن : خرجت على المعاش منذ خمسة وعشرين عاماً وأعيش مع ابني الذي خرج على المعاش منذ عشر سنوات ، ماتت زوجتي بعد خُروجي على المعاش بخمس سنوات ، ذات يوم وأنا أسير في الشارع استوقفتني امرأة وقالت لي: أنا أرملة وجائني هاتف في المنام يأمرني بالزواج منك وأنا أسكن في شارع قريب منك.
قال المُسن : أخذت إسمها وسألت عنها ، فوجدت أنها أرملة وتعيش مع أبنائها وأحفادها ، لكن هيئتها كانت غير جيدة ، فقلت: أتزوج بها ولعل الخير معها ، وفي يوم عقد الزواج وجدت أنها أكبر مني بخمس سنوات ، فقلت: ليس بها أي مِيزة ولكن لعل الخير معها .
قال المُسن : تزوجنا وعاشت معي عشر سنوات هي أفضل أيام حياتي ، ما قالت لي مرة أُريد شيء ، وأضع أموالي أمامها وما أخذت منها شيء على الرغم أن معاشي كبير فقد خرجت من العمل وأنا مدير عام .
قال المُسن : كُل يوم جُمعة عقب صلاة الجمعة أذهب إلى المقابر لزيارتها والدعاء لها طويلاً ، وفي بعض الأيام أجد المُسن ينتظرني حتى أسير معه ونفترق عند طريق المقابر ، ويقول لي:: ذاهب لزيارة الست التي أخبرتك عنها .
خرجت على المعاش وأذهب بين الحين والآخر إلي مسجد العمل السابق حتى أُسلم على صديقي المُسن الذي اقترب من التسعين من عمره ، أزوره تقديراً لصفة الوفاء لزوجته ، تلك الصفة النادرة التي يتصف بها في أسمي معانيها .
العُمر لا يُقاس بالسنوات ولكن يُقاس بالمواقف النبيلة والصفات الحميدة ، فهذا رجل عاش غالب عُمره مع زوجته الأولى وأنجبت له الذكور والإناث ، وعاش مع إمرأة ثانيه مُسنة وهو مُسن عشر سنوات ، مَحت السنوات العشر الأخيرة ذكريات العُمر السابقة الطويلة.
أُحسن أيها الزوج الغافل إلي زوجتك وأحسني أيتها الزوجة الغافلة إلي زوجك ، فالعبرة بالمواقف النبيلة والصفات الحميدة .
تلك قصة واقعية وبطلها مازال على قيد الحياة ، أطال الله في عمره وأحسن خاتمته ، ورحم الله زوجته النبيلة ذات الصفات الحميدة .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق