هنا تطاوين
( لوحة سريالية..مستوحاة من الواقع )
المدينة..ترزح تحت كف الشمس الحارقة..!
المدينة في قبضة الشمس،تنحني شوارعها تحت وطأة القيظ،وتتلاشى الظلال في منتصف النهار. الهواء ثقيل كالصوف الرطب،والضوء الأبيض يخترق كل زاوية.وفي خضم هذا الحصار،يتلمس المواطن ظل حائط،أو نسمة عابرة من مكيف،أو نظرة إلى سماء تلوح بغيوم بعيدة..أي متنفس ينقذه من قبضة لا ترحم..
النوافذُ تَشْهقُ،زُجاجُها يُعيدُ إطلاقَ الحرارةِ كمرايا عاتيةٍ،تُعمي العيونَ.الجدرانُ القديمةُ تَتفتَّتُ في صمتٍ،وغُبارُها يَعْلُو كأنه رمادٌ ساخنٌ.قلةٌ تجرؤ على الخروج،مَنْ خرجَ منهم سارَ كالظلِّ،يَلتصقُ بالجدرانِ الباهتةِ،يَبحثُ عن شقٍّ من ظلٍّ أو نسمةٍ هاربةٍ من مكيّفٍ عابرٍ.حتى الطيورُ اختفتْ في عُشِّ الصمتِ،لا يُسمعُ سوى هَمْهَمةِ مكيفاتٍ منهكةٍ تَصرخُ في حَرِّ الظهيرةِ..
الناسُ في الدكاكينِ والمقاهي المُظلَّلةِ يَشربونَ بارِدَ الشرابِ وكأنهم يبتلعونُ أنفاسًا،نظراتُهم تَتجهُ نحو الأبوابِ كأنما يَنتظرونَ مُنقذًا من حريقٍ غيرِ منظورٍ.هواءُ المدينةِ راكدٌ،ثقيلٌ كقطنٍ مُبللٍ بالزيتِ،يَصعدُ إلى الرئةِ فيُخنقُ.كلُّ لونٍ فيها تَبلَّلَ بالصُّفرةِ والبياضِ المُحرِقِ،حتى زرقةُ السماءِ صارتْ باهتةً كأنها تَذوبُ خلفَ حجابٍ من اللهبِ.
هي ذي،مدينة تطاوين في قبضة الشمس،كحديدة محماة تُطبع على جبين الظهيرة.لم يعد السير في الشوارع سوى محاولة يائسة للفرار من شيء لا مفر منه.وفي مكتبي الضيق،أنظر من النافذة إلى الرصيف الخالي إلا من وهج الإسفلت.كنت أبحث-جاهدا-عن متنفس،عن أي فكرة تُنسيني ثقل الجو وثقل الروتين الذي يشبهني.فكرة رحلة... أو حتى نافذة تفتح على عالم آخر...!
هنا، حتى الزمنُ يَتباطأ،فالساعاتُ تَذوبُ في رُتَجِ الظهيرةِ،والمدينةُ تَئِنُّ تحتَ سَطوةِ شمسٍ لا تعرفُ الرحمةَ.
صبرًا جميلا يا أهل مدينتي ( تطاوين)..التعب تحت وطأة الحر الشديد بدون متنفس بحري هو تحدي صعب.لا تستهينوا بإرهاقكم،خذوا فترات راحة،ارتووا،وابحثوا عن الظل.التغيير الحقيقي يحتاج صوتكم الجماعي للمطالبة بمدينة أكثر اخضرارًا وملاءمة للمناخ.ارفعوا أصواتكم عبر المجالس المحلية والجمعيات والمنصات الرسمية،فالضغط المجتمعي المنظم هو بداية الحل..
متابعة محمد المحسن

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق