فلسفة الثراء و إهمال العطاء
في المجتمعات الراقية، يُقاس الإنسان بميزان عطائه لا بقدر ما يملك، وبما يزرعه في الناس لا بما يكنزه لنفسه. فالعطاء فيها شرف، والخدمة رفعة، والتواضع وقار. هناك، تصعد القامات بالعلم، وتُشيّد الهامات بالحكمة، ويصنع السُّمو من يهب لا من يَجمع.
أما في مجتمعاتنا، فقد انقلبت الموازين، وكسدت بضاعة الحكمة، وراج سوقُ الزيف. فصار مقام المرء يُبنى على ما في جيبه لا على ما في قلبه، وتُصنع له الهالة من أرصدته لا من سيرته. المال عندنا لا يفتح الأبواب فحسب، بل يفتح القبور أيضًا لمن لا يملكونه. أصبح يُباع به الضمير، وتُشترى به الهيبة، ويُحجز به مقعدٌ في صدارة المجالس، ولو كان صاحبه لصًّا أو خائنًا.
نعيش في زمن يصفق فيه الناس للصٍّ ما دام غنيًا، ويصمون آذانهم عن حكماء وفقراء لا يملكون سوى الكلمة النقية، والرؤية الصافية. يُستقبل التافهون بالتصفيق، وتُشيّع العقول النادرة إلى مقابر التهميش. حتى غدونا نرى راقصة تُكرَّم على أنها الأم المثالية، وسارقًا يُسنّ القوانين، ويشرّع للعدالة وهو أول من داسها.
وفي مشهدٍ أكثر قتامة، يُسلَّم جهاز أمن الدولة إلى من باعها بالأمس في سوق الخيانة، وتُمنح راية الوطن لمن لم يحمل يومًا همّه، بل كان يحمل سكينًا إلى خاصرته. يُعزل الشرفاء، ويُحاصر الأمناء، ويُقدَّم الكاذبون على أنهم رجال المرحلة، بينما يُنكَّل بالصادقين لأنهم يفضحون زيف الرواية.
لقد أصبح المشهور هو من يعلو صوته لا من يسمو فكره، وصار القناع أغلى من الوجه، والمشهد أهم من المعنى. مجتمعٌ يركض خلف الصدى ويهمل الصوت الحقيقي، ويتعلق بالقشرة ويقذف بالجوهر في مزبلة الإهمال. لا يُسأل فيه عن المبدأ، بل عن عدد المتابعين، ولا يُحتفى فيه بالحقيقة بل بمن يستطيع تجميل الكذب وتسويقه.
في هذا الزمن الرديء، يُكافأ المنافق ويُخشى الأمين، يُحارب الإصلاح ويُروّج للانحطاط، ويُقدَّم الخطر على أنه أمن، ويُخنق الأمل حتى لا يبقى غير رماد الصمت.
نحن بحاجة إلى ثورة لا في الشوارع، بل في الضمائر… إلى يقظة لا في العيون، بل في المبادئ.
فنحن لا نعاني من نقصٍ في الموارد، بل من إفلاسٍ في القيم.
لا ينقصنا الذكاء، بل تنقصنا الأخلاق التي تضبطه.
وما لم نُعِد الاعتبار للصدق، والعدل، والنبل، فلن نغادر هذا القاع، مهما علا صوت الوعود.
نحن بحاجة إلى الاستثمار في الأخلاق والقيم المثلى، لأن المجتمعات التي تبيع ضميرها، مهما اغتنت، تبقى مفلسة.
وحين تعود الكلمة أنظف من المال، والنية أصدق من العرض، سنعرف أننا بدأنا ننهض… لا من الأرض، بل من أنفسنا ،
✍️بقلم فاخر خالد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق