الخميس، 21 أغسطس 2025

فلسفة الصمت بقلم علوي القاضي

«(1)» فلسفة الصمت «(1)»
     د / : علوي القاضي .
... (فأسرها يوسف في نفسه) قمة التعبير والإعجاز البلاغي في القرٱن الكريم
... هذه الٱية تتجلى في إعلاء صفة (الصمت) ، التي تحلى بها سيدنا (يوسف) ، عند لقاء إخوته ، وذمهم في أمانته ، وإتهامه بالسرقة ، حينها التزم يوسف الصمت فكان أبلغ من الكلام ، فهناك لحظات في الحياة يدرك فيها الإنسان أن الكلام لم يعد مجديًا ، وأن الحروف مهما حاولت أن تشرح ، لن تبرح ، سوى أن تطرح فقط ، وستظل تصطدم بجدارٍ من العناد وسوء الفهم المتعمّد ، عندها يصبح الصمت ليس فقط خيارًا ، بل رسالةً بحد ذاتها 
... الصمت ليس هروبًا ، فهو أقصرهم دروبا ، بل هو أحيانًا أقوى أساليب المواجهة ، حين تُدرك أن محدثك لايستمع ولايَفهم ، بل ينتظر الفرصة ليهاجمك ، فالنقاش معه معركة خاسرة ، لأن الهدف لم يكن يومًا (الوصول إلى الحقيقة) ، بل فرض السيطرة والإنتصار في الجدل ، وهنا يكون الصمت هو الردّ الأبلغ ، لأنه يترك الآخر في مواجهة ذاته 
يبكي على رُفاته ، بلا كلمات يتشبث بها ليبرر تعنّته وشتاته  
... والصمت يُوجِد مساحةً للتأمل ويترك العقول تعمل في هدوء ، ويمنح القلوب فرصة لإعادة النظر ، وكثيرًا ما يكون الغضب أو العناد أو الكبرياء حاجزًا يمنع الآخرين من فهم ما نقوله لهم بالكلمات ، لكن حين نصمت 
فهيهات هيهات ، تبدأ عقولهم في إسترجاع ما قيل ، وتدرك معناه في غياب الضجيج والأباطيل 
... وليس كل صمت ضعفًا ، وليس كل كلام قوة أحيانًا ، ودائما يكون الصمت هو أعلى درجات الحكمة ، حين يكون كل ما يُقال يُستخدم ضدك ، وحين يصبح النقاش مجرد ساحة معركة بلا فائدة ، عندها يكفي أن تصمت ، وستقول لهم دون أن تنطق بكل شيء لم يفهموه حين كنت تتحدث 
... فالصمت ، حين يكون في موضعه ، هو سلاح الحكماء ، ودرسٌ لمن لا يسمعون إلا أصواتهم
... ‏الصمت فخامة لا يعرفها سوى عشاق الهدوء ، وأحياناً الصمت هو بكاء الروح عندما لا يفهمنا أحد ، وأحياناً يكون الصمت رسالة صوتها مرتفع ، يسمعها فقـط من يشعر بك وحين تفيض المعاني وتجف الكلمات يكون الصمت سيد الموقف ، وأحياناً يكون بداخلنا كلام لا يحتاج إلى ٱذان تسمعه بل إلى قلب يشعر به ، ونصمت أحياناً رغم الوجع ، لأننا نعلم بأن حديثنا لن يغير شيئاً ، يتسرّب الوجع من مسامات الصمت ، فلا صمتنا يسترنا ولا نحن على البوح بقادرين
... الصمت متعب لصاحبه ، ولكنه سيبقى أرقى وسيلة للرد على كثير من الكلام
... الصمت ليس ضعف ، ولا إنكسار ، ولكنه افضل من خسارة اﻵخرين ، فالعاقل من يصمت في هذا الزمان الرديء ، فالصمت رسالة قوية في وقت الفوضى نهدأ ثم نفكر ثم نتكلم ، لكننا أحيانا ننطق من شدة الألم الصمت أبلغ من الكلام ، لذلك أصبح الصمت لغة العظماء
... الصمت في لغة (العارفين) كلام ، وفي أحياناً كثيرة يكون الصمت أبلغ من الكلام ، وهناك صمت وتجاهل يحكي كل شيء ، ويعبر تعبير أقوى من الكلام ، وينطبق عليه المثل السائر (إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب) ، فليس دائماً الإقناع يكون بالكلام ، فقد يكون أيضا بالصمت والإعراض عن الجاهلين حيث تكون الحجة في الصمت أولى وأقوى وأحكم
... تحياتي ...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

ظلك ثقيل بقلم نجية مهدي

ظلك ثقيل لِمَ تجلس قبالتي الحافلة فارغة.! نجية مهدي