لقد سبقتني ، وتركتني خلفك. كنتَ تمضي بسرعة لم أستطع مجاراتها، وكأنك قررتَ أن الحياة سباق، وأن الفوز يستحق أن تخسرني.كنتَ تعرفني ، وتعرف أنني أنا أنت .
كنتُ أراك تصلي، لكنك لم تلتفت إليّ وأنا واقفة على العتبة، أنتظر أن تدعوني معك. كنتُ أسمعك تدعو، لكن الدعاء لم يمرّ بي، كان يعلو من لسانك وحده، بينما أنا غارقة في صمتٍ بارد.
كنتَ تصوم، لكن جوعي كان مختلفاً ،جوعٌ لسكينةٍ لم تمنحني إياها يوماً.
رأيتك تملأ نهارك بالواجبات، تسدّ الثقوب بالفرائض، لكنك لم ترَ الفجوة التي فتحت في داخلي، تتسع بصمت حتى ابتلعتني.
كنتُ أركض خلفك ، أحاول أن ألحق بك. لكنك كنتَ تخلعني كما يُخلع معطفٌ ثقيل ، وتمضي دون أن تلتفت.رأيتك تهرب مني، لأنك كنت تعرف أنني مرآتك، وأن النظر في عيني يعني مواجهة الخراب الذي ينمو داخلك.
مررتَ بالقرآن مسرعاً، بالكلمات التي أعرف أن قلبك كان يحتاجها، لكنك لم تترك لي فرصة أن أشرحها لك.تمشي بين الآيات كما يمشي الغريب في شارع مزدحم، لا يعرف أحداً، ولا يعرفه أحد.
مررتَ على قصائد وأغانٍ وأفكار، لكنك لم تمكث في أيّ منها طويلاً لأتواصل معك. كنتَ تغيّر المشهد قبل أن أمدّ يدي لأمسك بك .
أردتُ أن ألتقيك في منتصف الطريق، لكنك كنتَ تمضي أبعد، وتتركني أختفي في الغبار. وحين تعبتُ، جلستُ على قارعة الطريق وأنت مضيت، وأنا بقيت.كنتُ أصرخ في داخلك ، تمهّل ، لكنك لم تعد تسمعني.
اليوم، وأنا أكتب لك هذه الرسالة، لم يعد بيننا سوى المسافة الأخيرة. لقد وصلتَ إلى النهاية ، وأنا وصلتُ متأخرة ، أرى جسداً أنهكه الطريق، مكسوراً، بارداً، بلا دفء ولا لون.أراك، لكنك لم تعد أنت.أراك كما تُرى المدن بعد الحرب ، واقفة، لكن لا حياة فيها.
الآن فقط تفهم أنني لم أكن عائقك ، كنتُ وجهك الحقيقي الذي فقدته.لكن الوقت مضى، وأنت دفنتني قبل أن تدرك قيمتي.
لن أعاتبك.. انت اخترت أن تضيّع ،لا أملك لك سوى الصمت ، صمتي الذي سيبقى يلاحقك، حتى لو لم تعد موجوداً لتسمعه.
لقد تركتني وحيدة، في طريقٍ بلا رجعة ، وهذا الوداع هو الأخير.وداعاً .. ليس لأنك رحلت، بل لأنك لم تكن يوماً هنا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق