شرود الذهن إبداع أم ضياع 3
بقلمي : د/ علوي القاضي
... وفي عالم الأدب فإن أشهر من عرف بشرود الذهن الأديب (توفيق الحكيم) ، لكن المخرج (محمد كريم) لاحظ أن جزءا من شروده إرادي ومقصود ، حينما جلس معه أثناء كتابة سيناريو فيلم (رصاصة في القلب) ، ولاحظ شروده ، وذقنه مستندة على مقبض عصاه ، فقال له ، هناك فتاة حسناء سألت عنك أمس ، عندها إستفاق الأديب الشارد على الفور ، واستفسر عن كل التفاصيل ، هذا إذن شرود إرادي يفيق منه متى أراد
... الموسيقار (عبد الوهاب) إشتهر بالشرود الحقيقي ، وكان كل من اقترب منه يؤكد أنه كان يزوم كالقطط طيلة الوقت ، لأن الألحان لا تكف عن زيارة عقله
... الشاعر (أحمد شوقي) كان شارد الذهن كذلك ، وكان يخرج علبة السجائر كل بضع دقائق ، ليدون عليها بضعة أبيات قبل أن تضيع
... وأنت أيها القارئ ، يمكنك أن تنجو بشرودك ، فلا يسخر منك أحد إذا أقنعت الناس أنك (فنان أو أديب أو شاعر) ، وهو حل لا بد أن تلجأ إليه إذا أردت أن تنجو من مواقف محرجة
... أنا ، ذات مرة كنت شارد الذهن وقابلت رجلا ذات وجه مألوف في طريق بيتي فهززت رأسي وقلت (السلام عليكم) ، وواصلت السير ، فقط بعد ربع ساعة تذكرت أن الذي قابلته هو أخي !
... وفي المستشفى كان لي زميل ممل ، يكلمني بصوت رتيب عن أشياء كثيرة ، فلجأت إلى الحل الأمثل وهو صوت (م م م !) كل ثلاثين ثانية ، بما يوحي بأنني أتابعه ، وفجأة فطنت إلى أنه ينظر لي في لوم وقد توقف عن الكلام الرتيب ، ولما نظرت إليه قال ، أنا أسألك ! ، وكالعادة لا إجابة عندك إلا (م م م !)
... كانت هذه مواقف محرجة لي جداً ، لهذا كان عليا أن أقنع الناس (على سبيل الإعتذار) أنني عبقري أو أديب أو مبدع أو شاعر ، وأنني أفكر في عظائم الأمور ، ولتأكيد ذلك كان عليا أن أعتذر ، ثم أخرج ورقة وأدون فيها بعض الكلمات بلهفة ويد ترتجف ، ثم أتنهد في إرتياح كأنني فرغت من آخر بيتين في ملحمة عبقريتي
... هل كان ذلك غرابة أطوار ؟! ، ربما ! ، لكنها ليست أغرب من أن أقابل أخي فلا أعرفه ، أو يكتشف زميلي أنني لا أسمع حرفًا مما قاله
... وكما هي العادة ، شرود الذهن سوف يجعلني أفرغ من كتابة هذا المقال ثم أنشره على صفحتي كما أفعل في كل مرة ، وسأزعم أنني كنت أفكر في المقال التالي !
... تحياتى ...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق