الأحد، 10 أغسطس 2025

قوة القانون لا قانون القوة بقلم ماهر اللطيف

 قوة القانون لا قانون القوة 


بقلم: ماهر اللطيف


يا ربّاه... أهي؟

(تُفرك العينان، تتسع الأحداق، يتجمّد الجسد، يُسدل الصمت على المكان)

كأنّ الزمان انطوى وانفجر في لحظة.

هي، هي نفسها... المشهد يُعاد، التفاصيل تُستنْسخ، الجُرح ينبض.

أأراد القدر أن ينتقم لي؟ أأرسلها لي لأُسقطها بنفسي، كما أسقطتني ذات خديعة؟


تتحرك المرأة بخفة اللصوص، بوجه ملائكي كاذب.

تقترب من فريستها الغافلة، تداعب خصلات شعرها، تنفث في أذنها همسًا مخادعًا:

– خلفك رجلان يترصّدان بك... احذري، سيدتي.


تدور الضحية بذهول...

وبسرعة الخطف، يُنتزع منها الهاتف، تفرّ الغانية نحو دراجة نارية تنتظرها، تقفز خلف السائق، ويختفيان.


تبدأ الصرخات، العيون تلتفت، الألسن تلهج بالذهول...

ولا من مجيب.


تتجمّد "دُرّة" –مفتشة الشرطة الميدانية– في مكانها، كأنّ الزمن نكص على عقبيه،

تغوص في ذاكرة دامية، منذ أكثر من عشرة أعوام... يوم سُلب منها هاتفها بذات الأسلوب وهي طالبة جامعية، ومضت الأيام دون عقاب أو عزاء.


لكن اليوم...

هي صاحبة القرار.

هي الذئب، وهي الفخ.


بعين الصقر، تُحدّق، تُشير، تُعطي الأوامر.

يتحرك الأعوان، يُطوَّق المكان، تنغلق الفجوات، تُسحب العصابة من الزحام كما تُنتزع الشوكة من اللحم.


وفي المخفر...

تُنتزع الأقنعة، تُسحب الأصفاد، يُصفّف المشتبه فيهم كجدار باهت، أيديهم خلف رؤوسهم، أنفاسهم مختنقة، العرق يتصبب، الصمت صليل.


تُفتَّش الأجساد كما تُفتّش الحقائق،

تُنتشل الهواتف، النقود، الأقراص، الشبهات...

كل شيء مرصود.


تقترب دُرّة من المرأة.

تمسك شعرها بقسوة، تهدر فيها بغضب مكبوت منذ سنين:

– ألا تعرفينني؟ أنظري جيدًا... تأمّلي هذا الوجه، أيتها النكرة!


– (مرتبكة، تتلعثم، تتراجع) لا... لا أظن... لم ألتق بك من قبل يا سيدتي.


– تبا لك ولوقاحتك! (تصفعها صفعةً يسمع صداها من خلف الباب)

انظري من جديد!


– (بدمعة مرتجفة) أعتذر... لا أتذكر...


وهنا، تنفجر العاصفة...

ركلات، صفعات، شتائم مقذوفة، وجع قديم يتسرب من اليد إلى الجسد،

زملاؤها يتدخلون، يوقفون سيل الغضب الجارف، يذكّرونها:

– لسنا هنا للانتقام... بل للقانون.


تتنفس بعمق، تتراجع خطوتين.

تضغط على صدرها الذي يكاد يتمزق.

تمضي نحو مكتب التحقيق.


تفتح الملف، تلقيه أمام "دليلة" –الاسم المسجّل في الشكاوى–

تقرأ بصوت جامد، كأنها تنطق بالحكم:

– أكثر من خمسين قضية سرقة، تحيّل، استدراج، مخدرات...

كلّها تحمل بصماتك.

أتُنكِرين؟


– (بهدوء بارد) كل هذا تلفيق... أنتم تضيّقون عليّ لأنكم لا تجدون سواي.


الوقاحة تفيض.

فتصفعها مجددًا، صفعة تندلع شرارتها في الهواء.

ثم أخرى...

وثالثة...


تسقط "دليلة" أرضًا، تُدمي الكلمات ما لم تدمه اللكمات.

تنهار، وتعترف...

بكل شيء.

بما ارتكبت، وبما لم يُكتشف بعد.


وتمضي القضية إلى القضاء...

ويصدر الحكم: سجن لسنوات طويلة.


لكن العدالة، لا تسير في خط واحد.

هي ميزان...

وفي هذا الميزان، تهاوت "دُرّة" أيضًا.


تُسجَّل تجاوزاتها الجسيمة، تُعرض على مجلس التأديب.

يصدر القرار: نقل وجوبي

بعيدًا...

بعيدًا عن المكان، عن الذكرى، عن الحكاية...


فمن يخرج منتصرًا من معركة الجراح؟درة أم دليلة،أم القانون الذي كان سيفا قاطعا؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

ظلك ثقيل بقلم نجية مهدي

ظلك ثقيل لِمَ تجلس قبالتي الحافلة فارغة.! نجية مهدي