الصحفية/نهي احمد مصطفى
الحب في بدايته وعدٌ صامت بالأمان، نظرة تطمئن، وكلمة تُقال فتُسكّن القلب قبل العقل. نُسلِّم فيه أرواحنا دون عقود، ونمنح الثقة كأنها حق مكتسب لا يمكن كسره. لكن الخيانة، حين تأتي بعد هذا الحب، لا تكون مجرد خطأ عابر، بل زلزالًا يهدم كل ما بُني على مهل.
الخيانة بعد الحب ليست وجع الفقد فقط، بل وجع الاكتشاف أن تكتشف أن اليد التي كنت تمسك بها لتنجو، هي ذاتها التي دفعتك إلى السقوط. أن تعلم أن الكلمات التي طمأنتك يومًا، كانت تُقال في الوقت نفسه لغيرك. هنا يصبح الألم مضاعفًا، لأن الخيانة لا تسرق الحبيب فقط، بل تسرق الثقة في النفس وفي الآخرين.
الأصعب في الخيانة بعد الحب أنها تُعيد كتابة الذكريات بمدادٍ أسود. كل ضحكة قديمة تصبح سؤالًا وكل وعدٍ سابق يبدو كذبة مؤجلة. يبدأ العقل في نبش الماضي بحثًا عن علامة لم نرها، عن تحذير تجاهلناه بدافع الحب. فنُعاقب أنفسنا لأننا أحببنا بصدق، وكأن الإخلاص صار خطيئة.
والخيانة لا تؤلم فقط لأنها فعل، بل لأنها اختيار. اختيار واعٍ بأن يُكسر قلب كان مفتوحًا، وأن تُهان مشاعر لم تطلب سوى الصدق. كثيرون يبررون الخيانة بالملل أو الضعف أو الظروف، لكن الحقيقة أن الحب الحقيقي لا يخون، ومن يخون لم يكن يومًا كما ادّعى.
بعد الخيانة، يتغير الإنسان. لا يعود كما كان، حتى لو سامح. فبعض الجراح تلتئم، لكنها تترك أثرًا لا يُمحى. يصبح القلب أكثر حذرًا، والكلمات أقل اندفاعًا، والثقة تُمنح ببطء شديد. ومع ذلك فإن النجاة ممكنة، لأن الخيانة مهما كانت قاسية، لا تعني نهاية القدرة على الحب، بل نهاية حبٍ لم يكن يستحق الاستمرار.
الخيانة بعد الحب تُعلّمنا درسًا موجعًا ليس كل من قال أحبك صادقًا، وليس كل قرب أمانًا. لكنها تُعلّمنا أيضًا أن كرامتنا أغلى من التعلّق، وأن الخروج بوجعٍ واحد خيرٌ من البقاء في علاقة تُهدر الروح كل يوم.
الخاتمة
من خان بعد الحب خسر أكثر مما كسب. خسر شخصًا أحب بصدق، وخسر صورته في قلب من وثق به. أما من تعرّض للخيانة فرغم الألم، ربح نفسه، وتعلّم أن الحب لا يُقاس بالكلمات، بل بالأفعال، وأن القلب الذي انكسر قادر، يومًا ما، على أن يُشفى ويحب من جديد، ولكن بوعيٍ أقوى وقلبٍ أصدق.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق