بقلم: ماهر اللطيف 🇹🇳
غابت شمس بلادي، لكن نهارها لم يغِب. خفّت الحرارة وبقي الضياء، تكاثفت السحب وأمطرت السماء مدرارًا، فعصفت الرياح بما اعترض طريقها، دون أن تمسّ البنايات ذات الأسس السليمة. تناثرت الأتربة في كل اتجاه، ولم تلج بيوت التقوى والإيمان وذكر الله.
تعالت الأصوات من كل حدب وصوب تهتف للوطن وعلوّه، لشموخه وتقدّمه، لمقارعة رايته رايات بقية الدول «المتقدّمة». صمود نظامه، وإصرار إدارته على النهوض به، وتشّبث شعبه بالحياة رغم الصعوبات والعراقيل.
تزيّنت المدينة بحلل الفرح والبهجة، وعاد الإقبال على الحياة بشغف ومحبة. ارتسمت البسمة على وجوه كانت مكفهرة في أمس قريب، حين شارفت هذه البقعة على الفناء والاندثار، على غرار حضارات وأمم سابقة وطأت هذا الفضاء الغارق في القدم.
وسط هذا الزخم، كان دريد يتنقّل بخفّة بين الجموع. شابّ عشريني، يعرف كيف يجعل من الابتسامة مفتاحًا، ومن الكلمة المعسولة جسرًا سريع العبور. يقترب من كل فتاة، يلتصق بها في غمرة الزحام، يغازلها، يبادلها بعض العبارات الرقيقة، يَعِدها بلقاء قريب… وفي اللحظة التي تستسلم فيها لدفء الكلام وتطمئن، كانت يده الأخرى تعمل بصمت داخل الحقيبة. يأخذ ما فيها دون ارتباك، ثم ينسحب بهدوء، ذائبًا في الحشد، باحثًا عن ضحية أخرى.
نجح مرارًا، واقتسم مع ضحاياه نشوة الاحتفال بهذا العيد الوطني، حتى ظنّ أن الزحام يحميه، وأن الفرح شريكُه. اقترب من فتاة عشرينية، طويلة القامة، شديدة الجمال والقوام، فتح حقيبتها بسلاسة واحتراف، وأدخل أصابعه…
فصرخ.
ارتفع صوته وجعًا، متجاوزًا ضجيج المحتفلين:
– آه! ما هذا يا رب؟ ما الذي حلّ بي؟
احمرّ وجه الفتاة، واعتلت محيّاها ابتسامة فخر وكبرياء. قالت بثبات:
– من يضع يده في جحر الأفاعي لا يلوم إلا نفسه، ومن يقترب من الشر لا يسلم من أذاه. وضعتَ يدك في حقيبتي، فوقعتَ في مندافها… وضعته لأمثالك في مثل هذه المناسبات.
– أرجوكِ، فكيه… ازرورقت أصابعي!
وتدخّل بعض الحاضرين متوسّلين.
لكنها أجابت بحزم لا تردّد فيه:
– سأسلّمك إلى الأمن، وأفكّ أسرك أمامهم، أيها اللص العاشق.
كانت رباب.
نفّذت ما عزمت عليه، غير آبهة بتوسّلات الناس ولا بمحاولاتهم ثنيها عن القرار، وهم يتعلّلون بمستقبله الذي سيتحطّم. كانت ترى أن القانون لا يُجزّأ، وأن الإصلاح لا يتحقق بالشفقة، بل بالحزم والجدّية، دون تمييز بين الناس أو أوضاعهم، ولو على حساب مشاعرنا وأحاسيسنا التي تقيّدنا أحيانًا.
داهمتها الذاكرة فجأة؛ تذكّرت كيف تعرّضت للسرقة مرارًا وتكرارًا في مناسبات مماثلة. كيف بكت، وحزنت، وتأسّفت على ما فقدت، خاصة هواتفها الجوالة وما احتوته من صور وأسرار ذهبت دفعة واحدة، لتتركها يتيمة الذكريات والسجلات. يومها فقط فهمت اقتراح أختها الكبرى ضحى، وحيلتها التي ساعدتها على إنجازها وتركيبها في حقيبتها.
تنهدت رباب من أعماقها، ابتسمت، وحمدت الله، ثم غادرت الاحتفال عائدة إلى بيت والديها، تقول في نفسها:
«لم أرتكب جرمًا، ولم أظلم أحدًا. فعلتُ ما يجب عليّ فعله، لأُسهم من موقعي في إصلاح هذا الوطن وخدمته. يستحق هذا السارق ما حل به عساه يعود إلى الجادة ويتعب من أجل توفير حاجياته بدل افتكاكها من جهد وعرق غيره».
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق