الأحد، 18 يناير 2026

الصبح فاضح الليل بقلم ماهر اللطيف

الصبح فاضح الليل
بقلم: ماهر اللطيف 🇹🇳 

استفقتُ متأخرًا جدًّا هذا الصباح على غير العادة، وكان عليّ إنجاز شؤوني اليومية المعتادة في أقصر وقت ممكن لألتحق بعملي، حيث ينتظرني الجميع لحضور اجتماع مجلس الإدارة الأسبوعي كالمعتاد.

أسرعتُ في تجهيز نفسي، وتناولتُ قليلًا من فطور الصباح واقفًا، ثم أغلقتُ باب المنزل خلفي، واتجهتُ إلى السيارة التي طوت الأرض طيًّا في اتجاه مقر عملي، ولم يبقَ أمامي سوى دقائق معدودة لافتتاح الاجتماع.

ترجّلتُ عن السيارة وهرولتُ نحو المصعد وقلبي يخفق بقوة. لم أنتبه إلى قهقهات وسخرية كل من اعترض سبيلي. ضغطتُ زر الطابق السابع، وعجّلتُ بإغلاق باب المصعد وأنا أدعو الله أن ألحق بالجَمْع قبل أن يبدؤوا عملهم.

نظرتُ في مرآة المصعد فصُعقت! من الذي يقف أمامي؟ ماذا يرتدي؟ ما هذا المنظر والمظهر؟ أيمكن أن أكون أنا؟ لا، لا، لا يمكن أن أصدق ما أرى! لقد أتيتُ بملابس النوم، مرتديًا نعال زوجتي الأحمر، وشعري غير مُصفَّف، وحالتي مزرية يندى لها الجبين…

ماذا سأفعل؟ هل أعود أدراجي ولا أبالي بالمسؤولين الذين ينتظرونني في الأعلى وتقريري الأسبوعي حول سير العمل وتطوره، وأتحمّل تبعات ذلك لاحقًا، وإن كان الاستغناء عني وطردي شرّ طرد؟ أم أتجاهل الأمر وأواجه الموقف كما هو، مهما جلب لي من تعليقات ومساوئ؟ أم عليّ إيجاد حل في بضع ثوانٍ لإنقاذ الموقف وتجاوز هذه المحنة؟

ما هي إلا لحظات حتى كنتُ في الطابق السابع. اتجهتُ صوب مكتب سكرتيرة الرئيس المدير العام، وطلبتُ منها إحضار معطف رئيسها، وهي تسخر مني وتقهقه عاليًا. ارتديته بسرعة، وصففتُ شعري قليلًا بأصابع يدي، ثم اتجهتُ نحو قاعة الاجتماعات.

طرقتُ الباب، ودخلتُ مطأطئ الرأس، معتذرًا عن التأخير، والكل يضحك. سمعتُ صراخ رئيس الاجتماع وهو يزمجر، يتطاير الشر من لسانه:

– ما هذا يا وجيه؟ هل أتيتَ إلى بيت الاستحمام؟ (الكل يضحك) أليس ما ترتديه هو معطفي؟

– (بعد أن ضاعت مني الكلمات وفقدتُ كل توازن وثقة بالنفس) معذرةً سيدي… (التفتُّ إلى البقية) سادتي، لا أعلم كيف سأفسر لكم…

– (مقاطعًا بشدة) صَه أيها المعتوه! أما زال لديك استعداد لتفسير ما يحدث؟

– (كاد يُغمى عليّ، وقد تبللت عرقًا وازدادت دقات قلبي) أنا متأسف.

تجاهلني واحتقرني، وواصل الحديث وعرض برنامج الاجتماع، قبل أن يسمح لي بالكلام. وحين جاء دوري، عرضتُ ما كانوا ينتظرونه مني بكل اقتدار وحرفية، فاستعدتُ شيئًا من ثقتي بنفسي، متمسكًا بما أعلم وأقدر، في محاولة لإرجاع ما يمكن إرجاعه من قيمتي وسمعتي ومكانتي بينهم.

ما إن انتهى الاجتماع حتى طلب مني رئيسي البقاء معه في القاعة. طلب مني توضيحًا لما حصل، فأعلمته أن زوجتي نسيت إيقاظي كالمعتاد، وخرجت إلى عملها باكرًا، بينما غادر أبنائي إلى معاهدهم دون أن يتفطنوا إلى وجودي نائمًا. لم يقتنع بسردي هذا، بل ذكّرني بغياباتي السابقة التي تكررت لأسباب متعددة، يجمع بينها نومي إلى ساعة متأخرة من الصباح.

نبّهني آخر تنبيه شفوي، كما قال، وانتزع مني معطفه، وطلب مني الالتحاق بمكتبي وإيجاد حل عاجل لحالتي المزرية، قبل أن أعود إليه بعد ساعة وأنا في حالة تليق بمركزي وقيمتي، حالة تحترم عملي ومن أعمل معهم.

غادرتُ القاعة وهاتفتُ زوجتي، وأعلمتها بما حصل، فاستأذنت من رئيسها، وعادت إلى المنزل، وجلبت لي ملابس كاملة، ثم التحقت بي في مكتبي، ساخطةً، مزمجرةً، خائفةً من خسارة عملها جراء بخلي، ولامبالاتي، وعدم تحمّلي لمسؤوليتي…

تركتها «تهذي»، وسرحتُ أبحر في ذكرياتي: سهرة الأمس التي قضيتها مع أصحاب السوء في الملهى الليلي، وتناولي ما لذّ وطاب من المشروبات، ومصاحبة بعض «بائعات الهوى»، وخسارة مرتبي وما أملك، وعودتي إلى المنزل بعد الفجر، منهكًا متعبًا، مثقلًا بالذنوب والشرور التي ارتكبتها، والتي دفعتُ بعض ثمنها اليوم، في انتظار المزيد إن لم أعد إلى الجادّة في أقرب وقت ممكن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

فارسي بقلم مريم سدرا

فارسي هاهو فارسي  قد جاء  يجتاز المسافات  يزحزح بكفيه جبال الأوهام  يطلق سراح الجداول  في الوديان يحرر عصافير قلبي  من قبضة السجان يعلي رايا...