بقلم: ماهر اللطيف 🇹🇳
جبْنا الشوارع والأزقّة ساعاتٍ طويلة نتجوّل بين الأسواق والمتاجر، نقلّب هذه السلعة ونشتري تلك، نسأل عن ثمن ما يجلب أنظارنا ونفاوض الباعة، ونحتـرس من الوجوه الغريبة –حسب تقديرنا طبعًا– مخافة السرقة أو أي مكروه.
أرهقنا التعب وكثرة الاتصالات التي كانت تلاحقنا من أوليائنا في كل حين، وزادت رغبتنا في قسطٍ من الراحة وتبادل الحديث وتقاسم المشاعر من حاجتنا إلى الجلوس. ولجنا أوّل مقهى صادفناه، فاخترنا زاويةً منعزلة عن بقية الروّاد، جلسنا وطلبنا مشروباتنا وشرعنا نستردّ أنفاسنا.
تشابكت أصابعنا، تبادلنا النظرات، ذبلت عينانا، تسارعت دقّات قلوبنا. أغمضنا أعيننا لحظة وحلّقنا في عالم الأحلام والآمال؛ نخطّط، نرسم خرائط مستقبلنا، نتخيّل ونحدّد المسؤوليات ونركّز على كل صغيرة وكبيرة حتى لا نترك للصدفة مكانًا في حياتنا المشتركة غدًا إن شاء الله. وبنينا قصر أحلامنا هناك… في تلك الدقيقة الرقيقة.
لكنّنا لم ننتبه إلى مقتنياتنا الموضوعة أرضًا بجانبنا. أهملناها تمامًا. فجاء أحدهم، مستغلًا لحظة ذوباننا في عالم العشق وإغماض أعيننا، فاختطف كل شيء: الهواتف، حافظات النقود، وكل مقتنياتنا… ثم ذاب كالملح في الماء بين المارّة المتّجهين نحو "بيت الراحة". لا نعلم إن كان واحدًا أو مجموعة.
صُدمنا ما إن تأكدنا من تعرّضنا للسرقة. سألنا القاصي والداني، عدنا إلى كاميرات المراقبة فوجدناها معطّلة منذ يومين، بحثنا في كل زاوية… لكن لا حياة لمن تنادي.
بكت امتنان، وندبت حظّها، وانهارت حتى كاد يُغمى عليها. اصفرّ وجهها ثم احمرّ، وغصّت وصعب تنفّسها، ثم جلست تنظر إليّ نظراتٍ ممتلئة باللوم والعتاب، بالندم والحسرة والخوف، وقالت:
– هذه نهايتي يا أمين… ذهب أختي وملايينها ضاعت! أعطتني إيّاها لأودعها في البنك…
قلت محاولًا تهدئتها:
– لا تخافي… سنسترجع كل شيء يا حبيبتي.
فقاطعتني بشدّة:
– كيف؟! لا دليل ولا وجه ولا كاميرا!
حاولتُ طمأنتها مجددًا:
– ثقي بي… لن يفلتوا يا روحي.
واصلنا الحديث، وأنا أتظاهر بالثبات وأنَا في داخلي مضطرب، وهي تستسلم لذكريات صباحها: حين جاءت أختها آمنة باكرًا إلى بيت العائلة قبل ذهابها إلى عملها، أيقظتها، وأخرجت ذهبها من حقيبتها ومعه عشرة ملايين، وقالت لها:
"أودعي هذه الودائع في البنك إلى حين استكمال المبلغ… نريد إجراء عملية أمّنا. هانت بإذن الله. لم يبق إلا القليل لنُمكِّن الحاجة فاطمة من المشي مجددًا بعد الحادث الذي بُترت فيه رجلاها وتوفّي أبي وأخونا حامد…"
لكن امتنان لم تكن تعلم أن أمين –حبيبها– هو العقل المدبّر لكل شيء. فقد سمع بما تحمله من ذهب ومال، فاتفق مع صديقه على خطّة مُحكمة: ينتظر السارق الإشارة، ثم ينقضّ على الغنيمة في اللحظة المناسبة، وبعدها يبيعان الذهب، ويدفعان معلوم السفر بحرًا للهرب خلسةً إلى الضفّة الأخرى… حيث كانا يتوهّمان المجد والمال وسعة العيش.
غير أن خطّتهما سقطت في الماء: فقد كشفت السلطات تلك الرحلة غير النظامية، وأُودع جميع ركّاب المركب السجن، واعترف السارق بجريمته وبجرائم أخرى شاركه فيها أمين.
مرضت امتنان، وفقدت عقلها، وأُودعت مستشفى الأمراض العقلية بعد توالي الصدمات والمصائب. وتعبت آمنة وانهارت، ثم توفيت والدتهما بعد مدّة قصيرة… دون أن تتمكّنا من تنفيذ وعدهما لها وهي حيّة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق