الأحد، 15 مارس 2026

الأخرس بقلم عمر أحمد العلوش

( الأخرس )
ثمة وجوه تمر في حياتنا مروراً عابراً لكنها تترك في الذاكرة أثراً لا يمحوه الزمن من تلك الوجوه شاب ما زلت أذكره إلى يومنا هذا ، كأن صورته تلوّح أمامي الآن .
في ثمانينات القرن الماضي كنت أعمل معلماً وكيلاً في قرية نائية . كانت الأيام هناك بطيئة الإيقاع وبسيطة الملامح لكنها مشبعة بحكايات صغيرة لا تُنسى . من بين تلك الحكايات ذلك الشاب الأخرس الذي حيرني طويلاً . متوازن أنيق نظراته فيها تأمل كان الصمت الأخرس عنده لم يكن بلا هدى بل كان لغة مبدعة .

أراه يتحدث بحركة يديه بحيوية عجيبة كأنه يعيش لحناً لا نسمعه . ومع الوقت فهمت أنه (يغني ) . نعم ، كان يغني بلغة الإشارة . لم يكن يغني أي شيء ، بل كان يغني لسيدة الغناء ، وكأنه يعيش معها عالماً كاملاً من الطرب .

أكثر ما كان يدهشني أنه كان يبدع في أغنية (دارت الأيام ) . كانت يداه تتحركان بحزنٍ عميق ، ووجهه يفيض بتعبيرٍ صادق ، حتى ليخيل إلي أن الأغنية نفسها تسكن ملامحه . لم أكن أسمع صوتاً لكنني كنت أشعر بالموسيقى في حركاته ، وكأن الصمت نفسه صار آلة تعزف .

كنت أقف متأملاً ذلك المشهد بحيرة صادقة ، كيف يستطيع إنسان لا ينطق أن يغني؟ وكيف يصل الطرب إلى قلب لم يعرف طريق الصوت؟ يومها أدركت أن الغناء ليس صوتاً فقط ، بل إحساس . وأن التعبير أوسع من الصوت فقد يسكن اليدين ، أو يسكن العينين ، أو حتى يسكن الصمت .
مضت السنوات ، وابتعدت بي الحياة عن تلك القرية . لكن ذلك الشاب بقي في الذاكرة كما هو ، شاباً يطارد لحناً لا يريد أن يضيع .
أحياناً يخطر لي سؤال بسيط لكنه عالق في القلب ، أين هو ذلك الشاب الآن بعد كل هذه السنين؟
ليتني ألتقيه مرة أخرى . ليتني أعرف أخباره وكيف مضت به الأيام . أتساءل أحياناً هل ما زال أخرساً كما كان؟ وهل أنجب أولاد مثله بالأناقة والذكاء والخرس ، وإن كان كذلك . فماذا يغنون هذه الأيام لأم كلثوم؟
نعم ، هناك غرفٌ في القلب لا يطرق أبوابها إلا الصمت لكن بعض الأحيان هذه الغرف لا تُفتح الا بمفتاح الصمت .

ربما تغيرت الحياة كثيراً وربما تغيرت الأغاني أيضاً لكنني أكاد أجزم أن قلباً استطاع أن يغني بالصمت ذات يوم ، لا بد أنه ما زال يغني ، برقة حبيب على أطلال حلم يغار من نسمة هجرها تجدد قصة حب من الأمس . 

✍️ بقلمي: عمر أحمد العلوش

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أنت ترى بقلم عبدالسلام عبدالمنعم احمد

................أنت ترى.................. أنت ترى لكنك بالوجد ما ادراك....... أنت تحب بأن ترى مأسات من يهواك ....... لو ان حزنك مثل حزني في ...