ثمة وجوه تمر في حياتنا مروراً عابراً لكنها تترك في الذاكرة أثراً لا يمحوه الزمن من تلك الوجوه شاب ما زلت أذكره إلى يومنا هذا ، كأن صورته تلوّح أمامي الآن .
في ثمانينات القرن الماضي كنت أعمل معلماً وكيلاً في قرية نائية . كانت الأيام هناك بطيئة الإيقاع وبسيطة الملامح لكنها مشبعة بحكايات صغيرة لا تُنسى . من بين تلك الحكايات ذلك الشاب الأخرس الذي حيرني طويلاً . متوازن أنيق نظراته فيها تأمل كان الصمت الأخرس عنده لم يكن بلا هدى بل كان لغة مبدعة .
أراه يتحدث بحركة يديه بحيوية عجيبة كأنه يعيش لحناً لا نسمعه . ومع الوقت فهمت أنه (يغني ) . نعم ، كان يغني بلغة الإشارة . لم يكن يغني أي شيء ، بل كان يغني لسيدة الغناء ، وكأنه يعيش معها عالماً كاملاً من الطرب .
أكثر ما كان يدهشني أنه كان يبدع في أغنية (دارت الأيام ) . كانت يداه تتحركان بحزنٍ عميق ، ووجهه يفيض بتعبيرٍ صادق ، حتى ليخيل إلي أن الأغنية نفسها تسكن ملامحه . لم أكن أسمع صوتاً لكنني كنت أشعر بالموسيقى في حركاته ، وكأن الصمت نفسه صار آلة تعزف .
كنت أقف متأملاً ذلك المشهد بحيرة صادقة ، كيف يستطيع إنسان لا ينطق أن يغني؟ وكيف يصل الطرب إلى قلب لم يعرف طريق الصوت؟ يومها أدركت أن الغناء ليس صوتاً فقط ، بل إحساس . وأن التعبير أوسع من الصوت فقد يسكن اليدين ، أو يسكن العينين ، أو حتى يسكن الصمت .
مضت السنوات ، وابتعدت بي الحياة عن تلك القرية . لكن ذلك الشاب بقي في الذاكرة كما هو ، شاباً يطارد لحناً لا يريد أن يضيع .
أحياناً يخطر لي سؤال بسيط لكنه عالق في القلب ، أين هو ذلك الشاب الآن بعد كل هذه السنين؟
ليتني ألتقيه مرة أخرى . ليتني أعرف أخباره وكيف مضت به الأيام . أتساءل أحياناً هل ما زال أخرساً كما كان؟ وهل أنجب أولاد مثله بالأناقة والذكاء والخرس ، وإن كان كذلك . فماذا يغنون هذه الأيام لأم كلثوم؟
نعم ، هناك غرفٌ في القلب لا يطرق أبوابها إلا الصمت لكن بعض الأحيان هذه الغرف لا تُفتح الا بمفتاح الصمت .
ربما تغيرت الحياة كثيراً وربما تغيرت الأغاني أيضاً لكنني أكاد أجزم أن قلباً استطاع أن يغني بالصمت ذات يوم ، لا بد أنه ما زال يغني ، برقة حبيب على أطلال حلم يغار من نسمة هجرها تجدد قصة حب من الأمس .
✍️ بقلمي: عمر أحمد العلوش
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق