الأربعاء، 25 مارس 2026

قِراءةٌ في الْمَثَلِ الْآزَخِيِّ بقلم فؤاد زاديكي

قِراءةٌ في الْمَثَلِ الْآزَخِيِّ
[البِير المَكصورْ، اشقَدْ لِتْحِطّْ فِيو يغورْ]

بقلم: فؤاد زاديكي

يُعَدُّ الْمَوْرُوثُ الشَّعْبِيُّ فِي «آزَخَ» مَعِينًا لَا يَنْضَبُ مِنَ الْحِكَمِ الَّتِي صِيغَتْ بِلهْجَةٍ غَنِيَّةٍ بِدَلَالَاتِهَا، وَمُخْتَصَرَةٍ فِي عِبَارَاتِهَا، لَكِنَّهَا تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا عُمْقَ الْفَلْسَفَةِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَخُلَاصَةَ التَّجَارِبِ الْحَيَاتِيَّةِ الْمَرِيرَةِ. وَيَأْتِي هَذَا الْمَثَلُ، الَّذِي دَوَّنتُهُ هُنَا، لِيُصَوِّرَ حَالَةً مِنَ الِاسْتِعْصَاءِ الْمَادِّيِّ وَالِانْهِيَارِ الِاقْتِصَادِيِّ، الَّذِي يَتَجَاوَزُ حُدُودَ التَّرْمِيمِ، فَاسْتُخْدِمَتْ مُفْرَدَةُ «البِير» (الْبِئْرِ) هُنَا كَرَمْزٍ لِلْمَخْزَنِ الْمَالِيِّ أَوْ الْقِيمَةِ الِائْتِمَانِيَّةِ لِلشَّخْصِ، وَوَصْفُهُ بِـ «المَكصورْ» (الْمَكْسُورِ) لَا يَعْنِي مُجَرَّدَ تَصَدُّعٍ بَسِيطٍ، بَلْ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْعَجْزِ الْبُنْيَوِيِّ، فَالْبِئْرُ الْمَكْسُورَةُ هِيَ الَّتِي فَقَدَتْ قُدْرَتَهَا عَلَى حِفْظِ مَا يُسْكَبُ فِيهَا نَتِيجَةَ ثُقُوبٍ غَائِرَةٍ فِي قَاعِهَا وَجُدْرَانِهَا. أَمَّا فِعْلُ «يَغُورُ»، فَهُوَ يُجَسِّدُ ضِيَاعَ الْجُهْدِ وَالْمَالِ فِي غَيَاهِبِ الْعَدَمِ، حَيْثُ لَا أَثَرَ يُرْتَجَى وَلَا صَدَى يَتَرَدَّدُ.
إِنَّ هَذَا الْمَثَلَ يُحَاكِي تِلْكَ اللَّحْظَةَ الْحَرِجَةَ، الَّتِي يَصِلُ فِيهَا التَّدَهْوُرُ الْمَادِّيُّ إِلَى مَرْحَلَةِ الِاسْتِفْحَالِ، حَيْثُ يُصْبِحُ ضَخُّ الْأَمْوَالِ الْجَدِيدَةِ كَمَنْ يُحَاوِلُ مِلْءَ بِئْرٍ بِلَا قَاعٍ، فَالْمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي قِلَّةِ الْمَوَارِدِ، بَلْ فِي «الْوِعَاءِ» الَّذِي اسْتُهْلِكَ تَمَامًا، مِمَّا يَجْعَلُ عَبَثِيَّةَ الْإِصْلَاحِ الْمُفْتَقِرِ لِلْأَسَاسِ أَمْرًا جَلِيًّا. وَتَتَجَلَّى بَلَاغَةُ الْمَضْمُونِ فِي صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ «اشقَدْ لِتْحِطّْ» (مَهْمَا وَضَعْتَ)، الَّتِي تُؤَكِّدُ أَنَّ حَجْمَ الْعَطَاءِ - مَهْمَا عَظُمَ - سَيَظَلُّ قَاصِرًا عَنْ رَدْمِ الْفَجْوَةِ، الَّتِي خَلَّفَهَا الْإِفْلَاسُ أَوِ الدَّيْنُ الْمُتَرَاكِمُ، فَالْهُوَّةُ تَبْتَلِعُ كُلَّ مُحَاوَلَةٍ لِلتَّعْدِيلِ أَوْ التَّرْمِيمِ.
إِنَّ هَذَا التَّوْصِيفَ الدَّقِيقَ لِحَالَةِ الْوَضْعِ الْمَادِّيِّ الْمُتَدَهْوِرِ يُثْبِتُ أَنَّهُ إِذَا خَرَجَ الْأَمْرُ عَنْ نِطَاقِ السَّيْطَرَةِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحَاوَلَةٍ لِإِنْقَاذِ مَا تَهَدَّمَ وَغَارَ سَتَبُوءُ بِالْفَشَلِ، لِأَنَّ الْخَلَلَ صَارَ مُسْتَفْحِلًا لَا يَنْفَعُ مَعَهُ التَّرْقِيعُ. لَقَدْ صِيغَ هَذَا الْمَثَلُ بِصَرَاحَةٍ صَادِمَةٍ لِيَضَعَ حَدًّا لِلْأَوْهَامِ، مُبَيِّنًا أَنَّ بَعْضَ الِانْهِيَارَاتِ تَكُونُ كُلِّيَّةً لَا تَقْبَلُ التَّعْدِيلَ، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ كُلُّ بَذْلٍ إِلَى ضَيَاعٍ فِي بئرٍ عَمِيقَةٍ لَا قَرَارَ لَهَا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

كوني بقلم عامر الدليمي

((((((«««كوني»»»)))))) ~~~~~~~~~~~~~~~~~~ كوني طفلتي التي تلعب  في حجري تلامس خدي  تقبلني في ثغري كوني  مشاغبةً تثير بمداعبتها  جنوني تستنهض...