الأربعاء، 18 مارس 2026

ين يشبه القدر الوجوه بقلم ماهر اللطيف

حين يشبه القدر الوجوه
بقلم: ماهر اللطيف/ تونس

اقتربت منها بين صلاتي العشاء والتراويح بعد أن تخطّت الصفوف تباعًا، وأمسكت كتفها هامسة في أذنها:

— انتظريني خارج الجامع بعد انقضاء الصلاة، أرجوك.

— (متعجبة) خيرًا إن شاء الله؟!

— (مبتسمة) خيرًا إن شاء الله… لا تخافي.

— (مستغربة) اللهم اجعله خيرًا.

أقيمت الصلاة، وشرع الإمام في تلاوة القرآن بصوته العذب. غير أن الأم علجية لم تستطع التركيز ولا استيعاب معاني الآيات، فقد كانت أفكارها تتزاحم في رأسها دون توقف:
ماذا تريد مني هذه الفتاة؟ لماذا طلبت مني انتظارها؟ هل تنوي أذيتي؟ ولكن لماذا وأنا لا أعرفها؟ أم لعلها تعرفني؟ ما الأمر يا ترى؟

ظلّت على هذه الحال أكثر من ساعة، إلى أن صلّى المصلون الشفع والوتر. وكان جناح النساء مكتظًا بالمصليات كما هو حال أجنحة الرجال في هذه الليلة الرمضانية المباركة.

شرع الجامع يودّع مصلّي هذه الليلة في انتظار رؤيتهم مجددًا مع صلاة الفجر. غادرت علجية متثاقلة الخطى، يملؤها خوف خفي مما ينتظرها خارجًا. تمنّت لو أنها اصطحبت هاتفها لتستنجد بأبنائها وبناتها، خاصة بعد وفاة زوجها منذ مدة.

نظرت يمنة ويسرة، فلمحت تلك الفتاة واقفة خارج الجامع تومئ إليها بيدها.

ازداد تردد علجية وهي تقترب منها. حاولت أن تصطنع ابتسامة، غير أن قلبها كان يخفق بقوة، خاصة حين سمعت الفتاة تقول:

— سبحان الله… نفس القوام، نفس الطول تقريبًا… وحتى الملامح!

ارتجفت علجية، وتصبب العرق من جبينها.

— هل تسمحين لي أن أضمك إلى صدري؟

شعرت علجية بتراخي جسدها وكأن الأرض تميد بها، لكنها سمحت لها بذلك وهي تسألها بقلق:

— ما خطبك يا بنيتي؟ ما الأمر؟

طمأنتها الفتاة قائلة إنها صُدمت منذ أيام حين رأتها في الجامع، فقد بدت لها صورة حيّة لأمها التي توفيت منذ شهر فقط: نفس الملامح، ونفس القوام، وحتى بعض الحركات.
وأضافت أنها أخبرت أخواتها ووالدها بالأمر، فاتفقوا على التعرف عليها أولًا، وهم الآن في انتظارها في منزلهم القريب من الجامع.

غير أن الخوف ازداد في قلب علجية، فطلبت منها التأني حتى تستشير أبناءها. تفهّمت الفتاة موقفها، واقترحت أن ترافقها بسيارتها إلى منزلها القريب، لكن علجية فضّلت العودة إلى بيتها سيرًا على الأقدام.

فكان لها ما أرادت، والفتاة تسير خلفها خطوة خطوة.
وفي الطريق راحت علجية تستحضر شريط حياتها:

زواجها من رفيق منذ عقود، إنجابهما لوليد وسفيان وزهير وسندس وسناء، تحديهما للمصاعب، تفاني رفيق في العمل المضني من أجل توفير لقمة العيش، ثم مرضه وتزايد الأعباء، وشحّ الموارد، حتى اضطروا إلى بيع بعض الأثاث.

انقطع الأبناء عن الدراسة وشرعوا في العمل، ثم جاء اليوم الذي رحل فيه رفيق تاركًا خلفه فراغًا كبيرًا في حياتها.
لولا أبناؤها، لابتلعها ظلام الوحدة منذ زمن.

وصلت علجية إلى منزلها، ففتحت الباب، ودعت الفتاة إلى الدخول. أخبرت أبناءها بما جرى، فرحبوا بالفكرة علّها تكون سببًا في التخفيف عما تعانيه أمهم.

قاموا بواجب الضيافة، وعلجية تكرر للفتاة:

— أعذريني يا بنيتي… لقد خفت كثيرًا، لذلك استنجدت بأولادي. فهم النور الذي يضيء ما بقي لي من طريقي فوق هذه الأرض القاسية.

اصطحب الأبناء أمهم والفتاة إلى منزل عائلتها.
فإذا بهم أمام قصر فخم، في حضرة عائلة ثرية رحبت بهم ترحيبًا كبيرًا، وأكرمت وفادتهم غاية الإكرام. غمرتهم بالهدايا والعطايا، وقدمت لهم المساعدة والملابس الفاخرة.

ومع مرور الأيام توثقت العلاقة بين العائلتين، حتى أصبحت علجية فردًا من تلك الأسرة، تدخل بيتهم كما لو كان بيتها منذ زمن بعيد.

وذات مساء، كانت أسماء تقلب ألبوم صور والدتها الراحلة، حين توقفت عند صورة قديمة التقطت قبل أكثر من ثلاثين سنة.
اقتربت من علجية قائلة:

— انظري… أمي في شبابها.

تناولت علجية الصورة بيد مرتجفة، وما إن وقع بصرها عليها حتى شحب وجهها فجأة.
لم تكن الصورة لامرأة واحدة…
بل لامرأتين تقفان جنبًا إلى جنب.
إحداهما أم أسماء…
والأخرى تشبه علجية إلى حد يربك العين.
تحت الصورة كُتب بخط قديم:
"ذكرى صداقة… علجية ورفيقتها فاطمة."
ساد الصمت في الغرفة.

رفعت علجية عينيها ببطء، وهمست وكأنها تخاطب نفسها:

— سبحان من يعيد الوجوه إلى بعضها… بعد أن يظن الناس أن الزمن قد طمسها.

ومنذ تلك اللحظة لم يعد أحد منهم ينظر إلى ما حدث على أنه مجرد صدفة…
بل قدرٌ كان يعرف الطريق منذ البداية.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

ليتني كنتُ فراشه بقلم سمير بن التبريزي الحفصاوي

*ليتني كنتُ فراشه...! ذات يومٍ في رُبى  "العيثةِ" الجميلة...  ثمل زاد شوقي وٱندهاشي للربيع منتشي والربى لدروب الأمس همسي والرمل ا...