الجمعة، 10 أبريل 2026

اعترافات ليلية ق.ق بقلم طارق الحلوانى

اعترافات ليلية ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
شارع كلوت بك.
القاهرة.
مبانٍ قديمة تتساند كعجائز يخشين السقوط، وبكيات تحكي عن ماضٍ قريب لم يبتعد، فقط غيّر نبرته.
شوارع بأسماء مِهَن، وحارات ضيقة لم تُخلق للمشي، بل للاختباء.
بلاط أسود يعود لزمن الاحتلال الإنجليزي، ما زال يحتفظ ببرودته، كأن الأقدام لم تدفئه بعد.
كنت أبحث عن فندق رخيص.. لوكاندة أنام فيها ليلة وأغادر مع أول قطار فجر.
دلّني صاحب كشك سجائر على فندق قال إنه “على قد الحال”.
مائة جنيه في الليلة.
المبنى كان أقدم مما توقعت.
بوابة خشبية متآكلة، وبهو ضيق، عدة كراسٍ متناثرة وطاولة خلفها مفاتيح.
لا أحد.
قطة رمادية نائمة على أحد الكراسي، كأنها صاحبة المكان.
ألقيت السلام.
لم يرد أحد.
إضاءة خافتة وسكون كثيف، بينما الشارع في الخارج لا يعرف النوم.
رفعت صوتي:
– يا أهل الله..يا اللي هنا.
فتحت القطة عينًا واحدة، مواءت بضجر، ثم عادت للنوم.
أنزلت حقيبتي، ترددت، ثم رفعتها وقد قررت المغادرة.
وقفت القطة فجأة أمام الباب.
في اللحظة نفسها دخل رجل من الخارج.
تجاوز الخمسين، عيناه متسعتان، حواجبه ثقيلة، ذقنه ينسدل بلا ترتيب.
ملابسه واسعة، متسخة قليلًا، وفي يده اليمنى عكاز.
مع أول خطوة لاحظت أن ساقه اليمنى مبتورة.. وساقًا خشبية تحل محلها.
قال بصوت مبحوح:
– أهلا وسهلا يا سعادة البيه.
نظرت حولي بحثًا عن “البيه”، فلم أجد غيري.
ابتسم نصف ابتسامة:
– طلباتك؟
– عايز أوضة للصبح… وهمشي بعد الفجر.
قاطعني بهدوء:
– طلبك موجود.. معاك بطاقة؟
ناولته البطاقة.
تفحّصني طويلًا، كأنني صورة قديمة.
– الأوضة بـ٣٠٠.. بالعشا والمسائل.
– أنا متعشّي.. ومش فاهم يعني إيه المسائل.
ضحك ضحكة قصيرة، وأغمض عينيه:
– إنت غريب.. ومحتاج ترتاح.
وعندنا الناس بترتاح.. حتى لو ليلة.
فهمت نصف ما قال، وحملت حقيبتي متجهًا للباب.
تحركت القطة مرة أخرى، وقفت أمامي.
ومن خلفي جاء صوت نسائي هادئ:
– استنى.. اسمك إيه؟
التفت.
كانت واقفة عند آخر البهو.
ثوب بسيط، شعر مرفوع بإهمال، لا زينة ولا تصنع.
لكن عينيها..
عينيها لم تتغيرا.
تسمّرت.
قالت كأن الزمن لم يتحرك:
– كنت متأكدة إنك هتيجي.
لم أسألها من تكون.
لم أحتج.
جلسنا في ركن بعيد.
القطة قفزت إلى جوارها، واستقرت، كأنها تعرفها منذ زمن.
الرجل صاحب الساق الخشبية ابتعد دون أن يسأل.
قالت:
– فاكر البلد؟
هززت رأسي.
– كانوا بيقولوا عليّ إيه؟
لم أجب.
ابتسمت ابتسامة خفيفة:
– قالوا هربت..
وقالوا الجمال لو زاد يبقى لعنة.
وقالوا كلام كتير.
سكتت لحظة، ثم أضافت:
– أنا ما هربتش.. أنا اخترت.
قلت بصوت خفيض:
– بعد أبوك..
قاطعَتني:
– بعد ما سكتّوا.
وبعد ما إنت قلت لأ.. وسكت.
نظرت إليها.
أردت أن أعتذر، أن أقول شيئًا يخفف ثقل السنين، لكن الكلمات خذلتني.
قالت وهي تشير إلى المكان:
– الفندق ده مش غريب زي ما فاكر.
الناس بتيجي هنا متأخرة… تقعد شوية، تحكي اللي ما ينفعش يتحكي، وبعدين تمشي.
سألتها:
– وإنتِ؟
قالت بهدوء:
– في الأول كنت بحسبها ليلة وهارجع.
الليالي طولت.
وهو.. كان واقف يوم ما خرجت، وما سألش.
فهمت علاقتها بصاحب الفندق دون أن تشرح.
فهمت ليه القطة ما سابتنيش أمشي.
خارج المكان بدأ الضوء يتسلل ببطء.
الفجر.
قمت، حملت حقيبتي.
القطة لم تتحرك هذه المرة.
قالت وهي تنظر إلى الأرض:
– اللي هرب مرة.. عمره ما يعرف يبات.
خرجت.
الشارع كان أهدأ.
القطار لحقته.
ومنذ تلك الليلة..
لم أعد أبحث عن فنادق رخيصة.
ولا عن طرق للهروب.
لكن النوم..
لم يعد يجيء كما كان.

طارق الحلوانى

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

محطاتي في التنمية البشرية وتطوير الذات بقلم عبدالعظيم علي عفيفي الهابط

محطاتي في التنمية البشرية وتطوير الذات ومحطة اليوم عن ابن الأصول كلها الشخص الموزون. اليكم أحبابي الأجلاء المحترمين الكرام ودمتم بخير وسعاد...