الأحد، 12 أبريل 2026

ليالي مظلمة ق.ق بقلم طارق الحلواني

ليالي مظلمة ق.ق
▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎▪︎
الحسانية قرية هادئة على ضفاف الترعة. بيوتها متلاصقة كالأسرار، وأهلها يقتسمون الأفراح كما يقتسمون الهمس. في النهار يعملون في الحقول، وفي الليل يلوذون بالأبواب المغلقة. وإذا ذُكر اسم "الريس حمدي"، خفت الأصوات.
يقال إنه مسجل خطر استأجر على القتل، عاش مطاردًا بعد أن قتل عريس حبيبته "عزيزة". وقيل إنها ألقت بنفسها في الترعة، ولم يُعثر على جثتها قط. البعض أقسم أنه رآها في بلاد بعيدة، والبعض قال إن روحها تطوف على وش المية ليلاً. الناس تخشاه، لكنهم يتهامسون: "بطشُه يقع على من يستحق."
أما "بهية"، فلم تجد في حياتها إلا الذل. زوجها باع أرضها غصبًا، سرق مالها، وأذاقها الضرب والمهانة، وكانت الطامة أن خانها مع الجارة. لم يبقَ معها سوى قلادة ورثتها عن أمها.
في ليلة بلا قمر، خرجت بعد نوم زوجها ترتجف نحو أطراف القرية، ونادت عند شجرة قديمة:
– يا ريس حمدي…
جاءها صوته من الظلام:
– مكانك… انتي مين عايزة إيه…
قصّت عليه حكايتها، ثم أخرجت كيسًا وقالت:
– هذا ذهب أمي… خلّصني من زوجي.
طال صمته حتى ظنّت أنه غادر، ثم دوّى صوته:
– خذي ذهبك… لو عملتها، هتبقى لوجه الله.
ارتجفت. كلماته كسرت خوفها وبعثت فيها الرجاء.
قبل الفجر، عادت إلى دارها. فتحت الباب، فإذا بالدماء تلطّخ الغرفة، وزوجها غائب، لا أثر له. شهقت، وسقط الكيس من يدها. هل قُتل؟ هل هرب؟ أين جثته؟ لم تجب الأسئلة، لكن الصوت ظل يطن في رأسها: “لوجه الله”.
مرت أيام، وانتشرت الأخبار أن حمدي دخل في خصومة مع رجال حاولوا الاستيلاء على أرض من أراضي القرية، وأنه قُتل هناك دفاعًا عنها. لم يرَ أحد جثته. لكن بهلول – بهلول القرية الذي يلتقط الأخبار – خرج يصرخ:
"الريس قال لي قبل ما يموت… ادفنوني في وسط البلد، اللي دافعت عنها بدمّي وروحي."
اختلف الناس: هل يُدفن المجرم بينهم؟ لكن الخوف انتصر، وبُني مقام صغير على قبر غامض. لم تفصح بهية بما رأت من دماء في غرفتها، ولم يعرف أحد أن السر معها. أما بهلول، فقد صار خادم الضريح، يروي الوصية وكأنها حقيقة لا شك فيها.
ومنذها، كل عام، تظهر "كرامة" جديدة: بهيمة مسروقة تعود، خصومة تنتهي فجأة، نار تنطفئ قبل أن تلتهم بيتًا. بهلول يرويها بحماس، والناس يرددون في الموالد:
"اللي يحتمي بالشيخ حمدي… عمره ما ينضام."
مرت الأعوام، وصار للمقام مولد. واختلطت الحقيقة بالأسطورة. ووسط الزحام، وقفت بهية أمام الضريح، قلبها يخفق بالسر، وبجوارها بهلول يخدم الزوار. تذكرت صوته في الظلام: “لوجه الله”. رفعت رأسها نحو الضريح وهمست:
– طول عمرك ما تكسرش قلب ولية.
وفي ليلة من الليالي، بينما تدق الطبول وترتفع الهتافات، أقسم بعضهم أنهم رأوه واقفًا تحت الشجرة القديمة… ثم اختفى.
ومنذ ذلك الحين، ظل الخلاف معلقًا: هل كان الشيخ حمدي مجرمًا أم وليًا؟
لكن المؤكد أن الخوف وحده هو الذي صنع مقامه.
طارق الحلواني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

أنت في القلب بقلم حسن سبتة

أنت في القلب  *********** أنت في القلب  ما أقدر أنساك  ولو ثانيه  أنت النور   في عينيا  أنت كل الدنيا  أنت أجمل حب أنا عشته  أفديك أنا بعيني...