لا أنام لكي أحلم بك بل أنام لٱنساك
هكذا كان يقول
المؤرخ
لقد كنت أتردد لحديقةٍ ساحرة باهرة ترنو
بعزلتي المجسدة في
التذكر
في كل صباح أستيقظ من النوم الكابس
بالخفاقات المحبطة
فأخرج من البيت المهجور لوحدي أتقاسم ظلي
المكسور بلغة الإشارة و
الإستعارات
فالحديقة التي أعددتها لنفسي لأنجو بها من
خيبتي الطويلة
تشدني إليها لتروي لي سيرتي الكاملة بالخسارة
مع الحياة
فمن يغني ليَ الآن من أغنيات السعادة و يموت
فوق قبري
سأقول له شكراً لأنك عرفتني قبل أن
تفارقني
تلك هي حديقتي الملعونة مقبرة السنوات
و جحيم العمر الطويل
كانت هناك تمشي على أثر الروح فاتنة
و مطلة كالقمر
حديقةٌ بذاكرة عصية على
النسيان
فكلما دخلت إليها رأيتها في الحديقة بكامل
أناقتها
سيدة من سيدات أهل البيت الواحد إمرأة
متزوجة شقية
متمردة
عن طريق الصدفة رأيتها تتجول هناك بصورتها
القديمة
بوجهها المحببة و بالمكياج البسيط فوق الخدود
و العيون المكحلة بألفِ
نظرة
تلك محبوبتي الجميلة الناعمة الطيبة البديهة
بجواري
تففتش عن زمني بفستانها الأزرق المورد بألوان
قوس قزح
رأيتها كيمامةٍ تعتزل لوحة المكان كله بجسدها
الشهي المطعم بالعسل
الأحمر
رأيتها فإندهشت برعشة الصدمة و إنفجرت
كل مشاعري دفعةً
واحدة
كانت هي ذاتها التي كانت معي ببداية
العمر
نفس الجسد و نفس الملامح البريىة و صوتها
الرنين
كصوت البحر الهادئ يلامس بموجه العاشق
رمال الشاطئ
تمعنت بصورتها لأكثر مرةٍ كمجنون يصعد بوجه
المستحيل و الواقع الكاذب ليفرح
قلبه كالذباب
فقلت توقف هنا يا أيها القلب فلا تزلزلني
باللهفة و بالحرارة كلما
رأيتها
قال لي أجئتَ بي لتكسرني بجمالها الساحر
أم لتحبس أنفاسي كلها
بالحب
فدعني أتحايل على الأقدار معكَ و أحضنها
قبلك
فهي الخيالُ الهادئ العتيق الطري
فهي جنتي البعيدة
فحتى الأقدار يا أيها القلب هنا تباع و تشترى
و ليس لنا منها حصصٌ إلا
تلك التي تكسرنا بشهوة الطعن بها و ترمي بنا
لمواسم الخذلان
لا ....... لا
لقد جئت إلى هنا لأغوي الريح و أسبقه
لذات الحلم
قد جئت لأصنع لكَ و لي طريقٌ من الياسمين
قلت لقلبي
فإندفع نحوي كوحشٍ يراوده الحنين و هزني بكل
الروح و أوقف بالشرايين
دمي كله
ثم قال هذه حبيبتي فدعني أتأملها كالحلم
الغزال
كنت سأعود حياً لألقاها لكني كما عادتي دوماً
لقد تأخرت
فهي الآن أمامي تتمشى مع الأزهار بحديقة
الخيال
كم هي الواقعة تسبقني إليها بالحب و بالحنان
بفرط الزحام
العاطفي
إنها عروسة كل العمر إنها دهشة العبادة و إسطورة
رجلٍ لا يؤمن إلا بالعناق
فأنا جالسٌ بمقعدي و هي تتحرك كالفراشة الراقصة
الناعمة تستفزني بسحرها
الفريد
تتنقل من صورةٍ لأخرى بذات اللحظة و تغفو
على صدري غامرة بكل
الأنوثة
يومٌ جميل آخر يداهمني و أنا أستقبله بصدرٍ
يخفقُ بي
إمرأة تزورني كلما فكرت بان أكتب قصيدة و
أتذكرها إمرأة من دخان
الذكرى
فأراها حسناء تتقن محاسن المرور السريع من
زمنٍ إلى زمنٍ يعيدني لأحيا
للحظات
فأني الآن أبصرها و أسكن قربها رغم كل المسافات
و كل الحرمان
هي الآن معي و بين يدي أغازلها أداعبها و ألهو
معها
كعاشقةٍ تكسر الصمت برهبة
اللقاء
تتمايل هي أمامي و تخطو بالخطوات كإمرأة
تبحث عن الرغبة
رأيتها تمشي كفعصفورةٍ تطارد ظلاً تناثر من
صدرها المعرق
و عندما رأيت الهواء يرفع بفستانها الأزرق عن
ساقها و بان الجسد الذي
أريد
تحول قلبي فجأةً إلى طائرٍ من ريح و طار مني
نحو السماء
لأرى نجمتي الشهية و أنا أقاسمها
الإنسجام
فكان لي قلبٌ و كأنني نزعته لأخشع بالهذايان
دونه
فتباً لها فحتى بالخيال فهي
تكسرني
فمن هي هذه المرأة التلك الجميلة الرائعة الطيبة
بالحضور القاسي
لتفعلُ كل ما فعلته بي بقدومها من تشتتٍ و ضياع
و فوضى بالأحاسيس
العاطفي
المعين على النهوض من الشلل التام و من
الوحدة
بلحظة الحلم المطل من الغياب قد مرَ بيننا
قطٌ أبيض منقط
فإلتفتَ نحوي بنظرته الخاطفة و تمتم بمهس العاشق
ثم تبخر كالضباب من
المكان
فقد شق صدري برهبته المطل من الحدث العابر
و مضى
فألهمني كصورة الخيال البعيد لأنجو بالقصيدة
و دربني على الكلام المباح و على لغتي
أنا لغتي أنا
و قلت لنفسي أين أنا منها و هي القريبة مني بفستانها
القصير حبيبتي حاضرة الآن
معي
بعيونها الخضراء و بياضُ بشرتها و بشعرها الطويل
المؤدي للسلام
و حاضرة هي بنظراتها لي بالخجل قبل
الإنحراف
فخذني يا أيها القلب إليها لأعانقها بدفئ
اللقاء
سابق كل الأيام و كل الأزمنة التي تقطع بالقلوب
المحبة لبعضها
حررني من وحدتي الطويلة و من ترددي و خجلي
أمامها في الهلاك
خذني لبعيدي هناك إلى هناك و لا تقسُ بالروح
ألماً بالعصيان
و لا تنتظر إليَ كشبحٍ جبان و خائفٍ من لحظة
تعبر بها هذا الكون المقسوم
بالعذاب
فكيف جعلتني أنحني لها بكل صلواتي و عباداتي
لجمالها و أنكسر بها
شوقاً
فأنا لست ذئباً لأفترسها بمخيلتي أنا لست
ذئباً و لست حبيبها الآن
أنا
كي أمارس طقوس العراك الجسدي معها بسرير
المتعة و الرغبة
و لست أدركها الآن كي أتبادل معها كعاشقٍ مراهق
يطفو بالغزل
لثغرها المبلل بالشهوات و بالقبلات الحارة
لألاف السنين
فأنا زائرٌ قديم لحديقةٍ منسيةٍ ذاتها بذاكرة
المنسيين
فأأتي بكل يومٍ خاسر بجسدي الهزيل الكهل بدفتري
الصغير
و بقلمي القديم فقد يفرغ منه الحبر
بأي لحظة
فأجلس لساعات طويلة و طويلة في الحديقة
أتخيل كل الصور التي كسرتني
و أنبشُ من بين المقاعد عن بقايا
الأسماء
أنا متقلب المزاج و ناقمٌ على
البقاء
فحيناً أركض لأحضان الذكريات الجميلة التي
سبقتنا لزمن النسيان
فتركتنا ورائها نلهف و نلهت كاكلاب بلا أحضان
تغمرنا فنبقى بلا
مأوى
و حيناً يغلبُ علينا الأوجاع بالحنين متألمين
و نحن نقتضي بالوهم و
بالهزيمة
فكل زهرةٍ هنا في الحديقة تعرفني و كل شجرٍ
و كل مقعد من رائحتي تذكرني بأني
كنت هناك
فالقد فرشت بصورتي المهزومة بها بكل ركنٍ
و بكل زاوية نسجت بحبر
الكلام
لقد كانوا هنا بذات يوم معي و الآن هم من ذكرى
الراحلين الغائبين
القدامى
فعلى ما يبدو فأنا الخاسر الوحيد و الأكبر
ههنا
فلا أدركت مخيلتي القاسية في التذكر
و لا أمسكت بالقطِ العابر و خاطبتهُ لأعرف منه
سر خيبتي و وجع حكايتي
الكافرة
و لا أنا حضنت حبيبتي الشهية الجميلة البهية
فأشمها لأربح برغبتي
الخالدة
فأقول لها أنتِ اليوم أنيقة جداً يا سيدتي و فستانك
جميلٌ عليكِ اليوم أكثر
و لم أشاركها الأحاديث كلها عن الحب و الغزل
عن الإنتظار و الإنتظار و عن
الأمل
و لا همست بليلتها الأخيرة خبراً عن الإشتياق
المميت قبل الرحيل
و لا عاد قلبي من السفر البعيد من كوكب النسيان
بعد الإنكسار و من
الإنكسار
فأنا هنا وحدي
و أمشي وحدي في كل شوارع المدينة بالضجر
و وحدي
فأدخلُ للبيت وحدي و أخرج من البيت
وحدي
أأكل من خبزي البايت من زمنٍ وحدي
و أشرب قهوتي بكل صباح
وحدي
و أسهر و أسهر بطول الليالي الموحشة وحدي
و مع وحدي
و أنامُ لوحدي بفراشي الحجري و لوحدي أحاول
أن أنامُ لوحدي
لا
فلا أنام كباقي البشر بكل أسباب الغياب إلا
مكسورٌ أنا مع
وحدي
فأبكي لوحدي على وحدي و أضحك زوراً على
وحدي و على خيبتي
معها
مع تلك المرآة التي كانت من الريح و ذهبت
مع الريح
كي أنسى وحدي المنسي الذي يحملني لأناياي
المفجوع بالخسارات
المصتنعة
و لوحدي أبكي على وحدي المعزول عن
الحياة
فيا أيها القلبُ التعيس بالجنازات الحية
بمعنى الهزيمة
فلا تأخذني بوحدتي بنكستي الطويلة برشفتي
لأماكن
تدلُ على بقايا أثرهم و على صورهم بذاكرة
لا ترحم
يا أيها القلبُ التعيس المسكين الحزين تمهل
بالوجعِ قليلاً
فأنتَ لا تستطيع أن تفتك بروحي أكثر من هذا
الوجع الكبير
إتركتني هناك و هناك و هناك في بعيدي البعيد
إتركني
ألملم بقايا شتاتي و لا تفجع بي خلف حلمٍ بسيط
فتك بي
كان بسيطاً و بريئاً و طيباً فلما الآن هو تحول
لكارثة ثقيلة و حتى
القيامة
فلا تاخذني إليها لأعانقها بدفئ اللقاءات أو لأمدح
بالقصيدة طويلاً
طويلاً
بجمالها الغلاب و بسفتانها القصير الأزرق من
الحرير
و لا لأشتهي كما أريد جسدها بليلتي بقيامتي
الأخيرة
لا يا قلبي لا
أنا هنا فقط معكَ الآن و أريد أن أعيش
بقربها
و لو من البعيد بشكل الهروب من الواقع المر
ليستكن و يهدء بداخلي
الزلزال
أريد أن أكون شيئاً من ذاكرتها الأبدية كالحظة
الحبٍ الأول بين عاشقين
لكنها لحظة أبدية لا تمحى من
الذاكرة
فكل القوانين هنا و كل القيم قد سقطت تحت
قدميها و تلاشت كل
المفاهيم
فأعدني للبدايات الأولى يا قلبي لقلبي البريء
هناك خالٍ من وجع
الراحلين
أعدني لصورتي القديمة لتلك الأيام التي عشناها
سوياً و نحن نعتق
بالروح
و حب وجعكَ أكثر مني و أكثر من أي شيئاً آخر
يا قلبي
و عانقه بالروح كثيراً و كثيراً كقبلة الشفاه
العظيمة
فأن كل الأشياء التي تحبها بحياتك و تتعلق
بها
سوف ترحل عنك في عجلٍ و كالبرق
ستختفي
لقد رحلت مني بعيداً صاحبة العرش العظيم
لقد رحلت
و رحل قلبي المعذب ورائها و هو يبحث عن
ذاتي المفقود
كما رحل القط المسكين الذي كان شاهداً مع الآلهة
على الكارثة الأبدية و اللقاء
المنتحر
فدعني أتأملها كالحلم بريء و بعيد يا
قلبي
دعني أتخليها بكل كتاباتي و بكل قصائدي المعذبة
أكتبها
لأرسو بكل الأوجاع و بالحنين بشاطئ الكلمات
الدافئة الحزينة
و أحرس حديقتي و صورتها و فستانها الأزرق
بإنكساري المشل
بالوهن
فدعني أقول لها يا أيها القلب المكسور بألف
خيبة
هي كانت و مازالت قيامتي بالوجود و أشفق
بالخيال طويلاً بالحديث
معها
دعني أرسم لجراحاتي خريطة الطريق و الهروب
إلى زمن النسيان و أختم بوجع
الحكايات
دعني أتقاسم مع الليل لوحدي ملحمة
هزيمتي الكبرى
فلا سر لي في جسدي الآن المشع بالضباب
أمام هذا الليل
سوى ما خسرت من حلم و ما إرتكبته من حماقةٍ
جفت بأوردتي على دروب
أحلامي
فمالك يا قلبُ تهزي بالذكريات و تبكي دماً
فتقتلني عبثاً و بالسراب
أتغفر لها رحيلها الموجع بالروح و غيابها الطويل
الطويل يا أيها القلب
أم ستموت ببطء شديد من الإشتياق و من
الإنتظار
لا لن تغفر لإمرأة حاقدةٌ عليك و رست توسع
الجرح بداخلك
فهي الوحيدة التي رسمت لك كل الحياة بأول
اللقاء
ثم سرقتها منك للأبد لتشكو من البقاء
المستحيل
لتبقى تشقى بطرِيقك لجهة الموت و أنت تنازع
بروحك الساقطة
في حديقةٍ رسمتها بالخيال من الكلمات لتنجو
بالقليل
لكنك لم تنجو كما قلت بالنص
الطويل
فكل الذين دخلوا حياتك هدموا بحياتك و ثم
رحلوا كالغرباء لتموت
أكثر
فإذا قد نسيتني يا أيها القلب هناك و أدمنت بي
في الهلاك
فلا ترجع إلي ثانيةً و أنت تحمل بصور الأموات
الأحياء
بوجعٍ عميق لا يفارق قافيتي المتعثرة و
لا قلبي
فلما أدخلتني مرةً أخرى في خيال الوحي الإلهي
العاطفي بدهشة الخسارات
الدائمة
لما كسرتني بمن رحلوا بتلك الروح من الذاكرة
فأوجعتني بصور
الذكريات
فعد بخيبتك سالماً و معافى من مكانتي بقلبك
الجريح
و لا تقتلني معكَ بذات الحلم القديم و أنت تحمل
جنازتي بنعش القصيدة
المسروقة من ذاكرة محطمة لا تفيض بوجودها
إلا بصور الأموات
الأحياء
فالخيال هو ساحة العذاب لكل شاعرٍ مكسور
و منفى للخاسرين
العاثرين
و من الوجود الغائب و إلى أخرهِ إلى
أخرهِ .........
في الحديقة 👇🏼 .......... 👇🏼 .......... 👇🏼
لأبن حنيفة العفريني ✍🏼
الشاعر مصطفى محمد كبار .....١٢ / ٥ / ٢٠٢٦
ابن حلب الشهباء
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق