"بيت الجد" واللص الغريب
عاد ابني من المدرسة متلبساً بحيرةٍ تسكن ملامحه، يهذي بسؤالٍ يبدو بسيطاً لكنه يحمل ثقل التاريخ: "أين تقع فلسطين على الخريطة؟"
تساؤل ابني ذكي ومنطقي جداً؛ فهو ينظر إلى "الخريطة" كعملية حسابية وقائعها جامدة، بينما يُكتب التاريخ بـ "المشاعر والدم والكرامة". هو يرى النتيجة النهائية (الخريطة الحالية)، لكنه لم يعش تفاصيل الصدمة التي شكّلتها.
تعال يا بني، لأقصّ عليك قصة تداولتها الأجيال، لعلها تُرمم ما تهدم من المنطق في عقلك:
يُحكى أنه كان هناك جدّ يملك داراً واسعة، تحيط بها بيارات الزيتون ويوسطها بئر ماء زلال. عاش فيها هو وأبناؤه وأحفاده مئات السنين. وفي ليلة عاصفة، طرق الباب غريبٌ يستجدي مأوى، فأجاره الجدّ وفتح له باب الدار.
مع مرور الوقت، لم يكتفِ الغريب بالضيافة، بل أحضر رفاقاً مسلحين وبدأوا يطالبون بنصف الدار! حينها، تدخل "كبير القرية" (الذي يمثل الأمم المتحدة) ليضع حلاً ظالماً، فقال: "سنقسم الدار بينكم؛ الغريب يأخذ الغرف الواسعة والبئر، وأنتم تأخذون المطبخ والمخزن".
هنا صرخ الأبناء: "كيف نرضى بقسمة بيت هو ملكنا صرفاً؟". لم يكن رفضهم عام 1947 "جنوناً" كما قد تظن، بل كان إيماناً بأن التنازل عن شبر واحد هو خيانة لإرث الأجداد. كانوا يدافعون عن "البيت الكامل".
اندلعت المشاجرة، وكان الغريب مستعداً بالخطط والسلاح والدعم الخارجي، بينما كان الأبناء مشتتين بلا سند. وفي عام 1948، لم يكتفِ الغريب بنصف الدار الذي منحه إياه "كبير القرية"، بل طرد الأبناء من معظم الغرف وحاصرهم في زاوية صغيرة ومظلمة.
مرت السنين، وبدأ التعب والفقر ينهشان جسد الأبناء. عندها فقط، اضطروا للقول: "حسناً، أعطونا ما عرضه علينا كبير القرية سابقاً (قرار التقسيم)". لكن الغريب ضحك ساخراً وقال: "ذاك العرض قد مات، والقواعد اليوم تغيرت!".
يا بني، إليك الحقيقة التي لا تجدها في كتب الجغرافيا:
خديعة "الأرض مقابل السلام": العرب لم يقبلوا بالتفاوض لأنهم "اقتنعوا" بحق الغريب، بل لأنهم أُنهكوا. والقبول بحدود 1967 لم يكن يوماً "رضاً"، بل كان "محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه" قبل أن تأكل الجرافات ما تبقى من تراب.
التوسع المستمر عبر الاستيطان يحدث لأن العالم لا يعترف إلا بمن يملك "القوة". القانون اليوم هو البندقية، والحق الذي لا يحميه السلاح يتحول مع مرور الزمن من "حق شرعي" إلى "حلم مستحيل".
لقد كسبت إسرائيل لأنها خططت ونفذت بدم بارد، وخسر العرب لأنهم اكتفوا بالعاطفة ورفضوا "القليل الظالم" فضاع منهم "الكثير العادل".
القصة ليست مجرد حدود مرسومة، بل هي أن:
"الذي يكتب التاريخ هو من يمسك بالقلم... والقلم في هذا الزمان هو العلم، والوحدة، والبندقية".
هل سيقتنع ابني بهذا المنطق؟ أم سيظل يرى أن الرفض الأول كان هو الخطأ الأكبر الذي ضيع الدار؟
البقية في الحلقة الآتية...
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق