بقلم الباحث: فؤاد زاديكي
تقع مدينة مديات في قلب منطقة طور عبدين جنوب شرقي تركيا، وهي واحدة من أقدم الحواضر المأهولة في أعالي بلاد الرافدين، حيث تتداخل طبقات التاريخ وتتشابك الهُوِيّات الثقافية والدينية عبر آلاف السنين. وإذا كان ظاهر المدينة اليوم يعكس طابعًا سريانيًّا مسيحيًّا واضحًا، فإنّ جذورها تمتد عميقًا في التاريخ القديم، إلى عصور سبقت المسيحية بقرون طويلة، حين كانت المنطقة جزءًا من المجال الحضاري الآشوري الواسع.
تشير أقدم الشواهد التاريخية إلى أنّ اسم المدينة ورد بصيغة قريبة من “Matiate” في النقوش الملكية للملك الآشوري آشور ناصر بال الثاني في القرن التاسع قبل الميلاد، وهو ما يؤكّد أنّ مديات كانت معروفة ومأهولة ضمن الإطار السياسي للإمبراطورية الآشورية[1]. غير أنّ ورود الاسم في نص آشوري لا يعني بالضرورة أنّ أصله لغويًّا آشوري (أكدي)، إذ يُرجّح أنّ الآشوريين نقلوا اسمًا محلّيًّا كان مستخدمًا بين سكان المنطقة، الذين كانوا على الأرجح من الآراميين أو من شعوب سامية أخرى استوطنت تلك التخوم الجبلية[2]. ويكتسب هذا الترجيح قوته من التحليل اللغوي، إذ إنّ بنية الاسم “Midyat” أقرب إلى الجذور الآرامية، ولا سيّما الجذر (mṭy) الذي يدلّ على “الوصول” أو “الامتداد”، وربما يُشير إلى “المكان المرتفع”، وهو توصيف ينسجم مع الموقع الجغرافي للمدينة في هضاب طور عبدين[3].
ومنذ تلك الفترة المبكّرة، لم تعرف مديات انقطاعًا في الاستيطان، بل شهدت تعاقب قوى وحضارات متعدّدة، من الآشوريين إلى الميديين فالفرس، ثم اليونان والرومان. ومع كلّ تحول سياسي، ظلّ الاسم حاضرًا بصيغ متقاربة، مثل Matiate وMatiat وMedyad، دون أن يطرأ عليه تغيير جذري، وهو أمر لافت إذا ما قُورن بمدن أخرى في المنطقة تبدّلت أسماؤها بالكامل عبر العصور[4]. هذا الثبات النسبي في الاسم يُشير إلى استمرارية محلية عميقة، حتى وإن تبدلت الهويات السياسية والدينية.
ومع بزوغ فجر المسيحية في القرون الأولى للميلاد، دخلت المنطقة مرحلة جديدة من تاريخها، حيث اعتنق سكّانها الدين الجديد تدريجيًا، وتحوّلت اللغة الآرامية المحكية إلى ما يُعرف بالسريانية، وهي الصيغة الأدبية والكنسية التي أصبحت لغة العبادة والثقافة لدى المسيحيين في المشرق[5]. وفي هذا السياق، اكتسبت مديات، إلى جانب سائر منطقة طور عبدين، مكانة متميزة كمركز روحي وثقافي للسريان، إذ انتشرت فيها الأديرة والكنائس منذ القرن الرابع الميلادي، وتحوّلت إلى أحد أهم معاقل الكنيسة السريانية الأرثوذكسية[6]. ومنذ ذلك الحين، باتت هُوِيّة المدينة في الوعي التاريخي والديني مرتبطة بالسريان، لا بوصفهم قومية منفصلة بالضرورة، بل كجماعة دينية وثقافية تشكّلت في إطار المسيحية الناطقة بالسريانية.
وفي العصور الوسطى والعثمانية، استمرّت مديات مدينة ذات غالبية مسيحية سريانية، مع وجود تنوّع طائفي شمل أيضًا الكلدان وغيرهم، وظلّت حتى أوائل القرن العشرين من أبرز المراكز السريانية في المنطقة[7]. غير أنّ أحداث الحرب العالمية الأولى، ولا سيّما مجازر عام 1915 المعروفة باسم “السيفو”، تركت أثرًا عميقًا على البنية السكانية، حيث تعرّض السريان والآشوريون لاضطهاد واسع أدّى إلى تراجع وجودهم الديموغرافي[8]. ومع ذلك، بقيت مديات رمزًا حيًّا للتراث السرياني، سواءً في عمارتها الحجرية المُميّزة أو في لغتها الطقسية المستمرة حتى اليوم.
إنّ السؤال عمّا إذا كانت مديات مدينة “آشورية” أم “سريانية” يفترض ثنائية قد لا تعكس التعقيد التاريخي الفعلي. فالأدلة تُشير إلى أنّ جذور المدينة تعود إلى السياق الآشوري القديم، من حيث الوجود السياسي والتوثيق النصّي، لكنّها من حيث اللغة والثقافة المحلّيّة تحمل بصمات آرامية واضحة، تطوّرت لاحقًا إلى السريانية في ظلّ المسيحية. وبعبارة أدقّ، يمكن القول إنّ مديات تُمثِّل حالة استمرارية حضارية، حيث لا تنفصل المرحلة السريانية عن جذورها السابقة، بل تُعَدُّ امتدادًا ثقافيًّا ودينيًّا لها. وعليه، فإنّ الأقدم زمنيًا هو الإطار الآشوري، بينما الأحدث والأكثر بروزًا في التاريخ الوسيط والحديث هو الطابع السرياني، دون أن يلغي أحدهما الآخر.
أمّا اسم المدينة نفسه، فقد حافظ على جوهره عبر أكثر من ألفين وخمسمئة عام، متحوّلًا من “Matiate” إلى “Midyat” بصيغ صوتية متقاربة، في مسار يعكس تفاعل اللغات السامية وتبدّلها، لا انقطاعها. وهذا الثّبات في الاسم، إلى جانب الاستمرارية السكانيّة والثقافيّة، يجعل من مديات نموذجًا فريدًا لمدن الشرق الأدنى، التي تختزن في طيّاتها تاريخًا متراكبًا، تتجاور فيه آشور وآرام والمسيحية السريانية في سرديّة واحدة متُصلة.
---
الهوامش:
[1] نقوش آشور ناصر بال الثاني، القرن 9 ق.م، التي تذكر “Matiate”.
[2] دراسات تاريخية عن شمال بلاد الرافدين تشير إلى نقل الآشوريين لأسماء محلية في سجلاتهم.
[3] تحليل لغوي للجذر الآرامي mṭy في المعاجم السامية.
[4] مقارنة تاريخية مع مدن مثل الرها ونصيبين.
[5] نشوء السريانية كلغة أدبية مسيحية من الآرامية في القرون الأولى للميلاد.
[6] تاريخ الأديرة في طور عبدين ودور الكنيسة السريانية الأرثوذكسية.
[7] سجلات العهد العثماني حول التركيبة السكانية لمديات.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق