عُنْوَانُهَـــا:-
" هَلْ التَّرميزُ في النَّصِّ الأَدَبيِّ..
أُسْلُوبُ تَجْسيدٍ أَمْ تَلْقينٍ؟"
#مَدْخَلٌ:-
التَّجْسيـدُ تَقريبُ أَفكـــارٍ أَو مَعَـانٍ مُجـرَّدَةٍ إلـىٰ أَشيَــاءَ ماديَّـــةٍ مَلمُوسَـــةٍ، عَلىٰ هَيْئَـةِ كَائنٍ حَيٍّ.
بَينَمَـــا التَّلقـينُ عَمليَّــةُ غَـرْسِ أَفكـارٍ أَو مُعتقَداتٍ جاهِـزَةٍ في ذِهنِ المُتَلقِّي دُونَ إعْمَالِ العَقلِ.
وَ لِكُلِّ أُسلُــوبٍ مَجـالُهُ الخَـاصُّ بَلاغيًّــا،
فَنيًّا وَ فِكريًّا. فَثَمَّةَ رمُوزٌ خاصَّةٌ يَبْتكِرُهَا المُؤلِّـفُ لِـربطِ تَجرِبَتِـهِ الذَّاتيَّـةِ وَ رُؤيتِـهِ الفَنيَّةِ حَتَّىٰ يَتمكَّنَ منْ إيصالِ أَفكارِهِ بِلَا تَصريحٍ بِهَا صَراحَةً، كَي يُعزَّزَ مُوضُوعاتِهِ الأدبيَّةِ بِأسلَوبٍ غَيرِ مُباشِرٍ، يَتيحُ لِلقارِئ لَحظَةَ تَأمُّلِ وَ تَفاعُلٍ، ثُمَّ إنْدماجٍ معَ النَّصِّ!
النَّصُّ الآتِي هُوَ مَوضُوعُ القَراءَةِ لِقِصَّةٍ قَصيرَةٍ ــ بِحدُودِ ٢٥٠ كَلِمَةٍ ــ كاتِبُهَا المِبدِعُ (عَليُّ البَدر ) وَ مُعَنْوَنَةٌ بِــ:-
" أَصــابعِــي "
في هدوء الليل، حين يغطُّ الجسد في نومٍ عميق، تبدأ أصابعي في التململ. في تلك اللحظة، لا تعود مجرد أطرافٍ تنتهي بها يدي، بل تستحيلُ كائناتٍ ذات ذاكرةٍ وألم.
سألتُ أصابعي ذات ليلة، وهي ترتجفُ بوهنٍ من كثرة العطاء: لماذا تصرين على التشبث بالحياة بكل هذا الإصرار؟
ألا ينهككِ هذا الشدّ المستمر للأشياء؟
فجأة، شعرتُ بتنميلٍ خفيف، وكأن الأصابع قد استجمعت قواها لترد، لا بالكلمات، بل بالصور:
- ألا تدرك؟ نحن لسنا مجرد عظامٍ ومفاصل. نحن الذين كتبنا قصة حياتك. حين كنتَ تبكي، كنا نحن من يمسح دمعتك. وحين كنتَ تبني أحلامك، كنا نحن من يرتب الحروف على الورق. نحن الذين أطعموك حين ضعفت، ونحن الذين ضممتَ بهم مَن أحببت.
- لقد أرهقتُكم كثيراً. أحياناً كنتُ أجبركم على حمل ما لا أطيق، أو لمس ما يؤلم. ما زلت اسمع همسكم والسجان يقتلع اظافركم اظفرًا اظفرًا وبكل لذة وشراهة: لا. لا تعترف. ابق صامدًا. ستتغير الأمور.
- كلُّ ما لمسناه ترك فينا أثراً. البصماتُ التي تراها على أطرافنا ليست مجرد خطوط، إنها خريطة لأفعالك. نحن نتحمل ثقل الأشياء لكي تظل أنت خفيفاً، نحن نقبض على الحياة كي لا تفلت من يديك. ألا ترى، نحن نضحي بمرونتنا لنمنحك القوة، ونتصلب لنمنحك الأمان؟
- وماذا ستفعلون حين يحلُّ الرحيل؟
- سنسكن. وننتهي من ترتيب هذا العالم الصغير الذي عشنا فيه، وسنترك خلفنا الأشياء التي لمسناها لتكمل هي مسيرتها. نحن لسنا خائفين من التوقف؛ فقد كان وجودنا في ذاته فعلَ حبٍّ مستمر. لقد كانت مهمتنا هي أن نكون الجسر بين نيتك الطيبة وبين العالم.
صمتَت الأصابع، وعادت لتستكين فوق غطاء الفراش. نظرتُ إليها في ضوء القمر الخافت، ورأيتها لأول مرة ككياناتٍ مستقلة، كأبطالٍ مجهولين خاضوا معي معارك الحياة بصمتٍ مطبق. لقد أدركتُ أن كل فعلِ خيرٍ قمتُ به، وكل ملمسٍ حنون منحته، لم يكن مني، بل كان من خلال هذه الأنامل التي تحمل في مساماتها تاريخاً من الأمان وانا اذوب بين ذرات التراب حضنا لوردة يفوح عبيرها او انسانا يشيد املًا لأجل حياة تزهو من جديد.
(علي البدر/العراق)
#تَمْهيـــدٌ:-
يُقــدِّمُ "سيغمـوند فرويد" ثلاثَــةَ مصطَلحاتٍ (الهو و الأنا و الأنا العليا) *، لِوصفِ العلاقةِ الفعَّالةِ بينَ "العقلِ الواعي وَ العقلِ اللَّاواعي" وَ إنَّ الشَّخصيَّــةَ هـي حَصيلةُ التَّفاعلِ بينَ هٰذهِ الأنظمَةِ الثَّلاثةِ.
مَــا يَهُمُنَــا هُنـا هـوَ (الأَنَـا _ Ego )، الَّـذي يُمـثِّلُ الإدراكَ وَ التَفكـيرَ وَ الحِكمَـةَ وَالمُلاءَمةَ العقليَّةَ، منْ خِلالِ الإشرافِ علىٰ النَّشـاطِ الإراديِّ لِلفردِ، وَ غَالبًــا مَــا يكونُ وَاعيًا، يَتعاملُ معَ الواقعِ الخارجيِّ.
* مَنْ يَهمُّهُ مَعلوماتٍ أكثرَ..
الرَّجاءُ مُراجعَةُ "النَّظريةِ البُنويَّةِ"
لِسيغموند فرويد 1923.
#حَيثِيَّـــاتُ #المَوضُــوعِ
#أولًا:- تَحليلُ النَّصِّ
يُسوُّغُ الكاتبُ فِكـرةً كَي يَسْتَمْرِئَهَــا تَفكيرُ القارِئِ، وَتَطيبُ لَهُ القَراءَةُ، مُستعمِلًا مُـحَدَّداتٍ تَقنيَّـةٍ، بِأسلُـوبٍ حَداثَـوي يَمـيلُ إلىٰ الاهتمامِ بِمَا هوَ عَصريٍّ وَ جَديدٍ..
١) تَقنيَّـةُ العَـصْفِ الذِّهنـي بِحـدُودِ النَّصِّ، عِندَمَا إبتدَعَ أَحداثًا عَلىٰ غيرِ مِثالٍ سابقٍ، بِأسلُـوبِ تَفكيـرٍ إبداعـيٍّ يَهدفُ إلىٰ تَوليدِ أكبرَ قَدَرٍ ممكنٍ مِنَ الأفكــارِ لِتَفكيكِ عِقدةِ المَوضُـوعِ في أَثناءِ التَّلقِّي.
٢) تَقنيَّـةُ الصَّدمَـةِ في إطـارِ كِتـابَةِ النَّصِّ، بِهدفِ إرباكِ المُتلقِّي وَ كسرِ أُفقِ تَوقعاتِهِ، بِحَيثُ قَدَّمَ لَهُ أَحداثًا غَيرَ مُتوقعَةٍ.
٣) أَسلُوبُ الفِنتازيَا.. وَ هـوَ أُسلُـوبٌ أدبيٌّ يُبنَىٰ علىٰ الإبداعِ وَ الخَيــالِ الجَّـامحِ مِنْ مَنظورٍ غَيرِ مَألوفٍ، يَعتمدُ علىٰ:
ــ الخَيالِ..
في رَسمِ الصُورةِ الذِّهنيَّةِ/ الثِّيمَةِ.
ــ السِّحرِ..
في الحِبكةِ لِنَصٍّ أدبيٍّ/ الذَّروةِ.
بُغيَـةَ أنْ يُقرِّبَ عالَــمٍ خيـاليٍّ لِلمُتلقِّي، لا وجُودَ لهُ علىٰ أرضِ الوَاقعِ، يَأخذُهُ بَعيدًا عَنِ المَعقولِ وَ الطَّبيعـيِّ، وَ رُبَّمَــا يَفصلُـهُ
عنْ واقعِهِ بِأدواتِ تَشويقٍ وَ تَأمُّلٍ.
وَ بِذلكَ.. يُصوُّرُ الكاتِبُ عالمًا وَهميًّا، يُخبِرُ عنْ أَشيـاءَ داخـلَ النَّفسِ تَحتـاجُ إلــىٰ أنْ يَفهمَهَــا القارِئُ.
وَ لَعَمْري.. هٰذا الأُسلوبُ في الإبداعِ ضُرورَةٌ قُصوَىٰ، لِخلقِ مَشاعرَ قَويَّةٍ، تُثيرُ إنفعالَ المُتلقِّي، وَ تُفاجِئُهُ.
وَ دُونَهُ يَكونُ النَّصُّ مُجرَّدَ سَردٍ قَصصيٍّ فَحَسبْ، لا ضَــابطَ لِحركــةِ الشَّخصيَــاتِ وَشَدِّ القارِئ إلىٰ النَّهايةِ؛ كَونَهُ ـ كَما يَبدُو ـ يُحاكي وَاقعَ مَا بعدَ المَلاحِمِ العَبثيَّةِ، الَّتي تُجسِّدُ فَداحَةَ أَحداثٍ دَمويَّةٍ وَ مَأساويَّةٍ!
وَ لَا سِيمَا تِلْكَ الْمُشَكلاتُ النَّاجِمَةُ عَنْ ردُودِ أفعـالٍ بَشَرِيَّـةٍ.. وَ مَـا أكثرُهَــا فـي زَمنِنَـا المَوبُوءِ!
#مُفارَقَةٌ..
تَتحرَّكُ العَرائسُ/ الدُّمَىٰ علىٰ مَسرحٍ خَشبـيٍّ، بِوَاسطَـةِ خيُوطٍ رَفيعَـةٍ، بِتَقنيَّـاتٍ متنوَّعَــةٍ، تُدارُ بِواسطَــةِ مَقبضٍ خَشبــيٍّ يُمسِكُهُ (مُحَرِّكُ الدُّمَىٰ) مِنَ الأعلَىٰ، فَتَنتَقِلُ الحَركةُ إلىٰ أرجُلٍ أو أَيدِي الدُّمَىٰ، بِحسبِ أنواعِهَـا، فَيبدَو مَشيهَـا أو رَقصُهَا طَبيعيًّا..
يُقابِلُ ذٰلكَ..
في نَصِّ(أصابعي)..
أطرافُ جِسمِ الإنسانِ تَتحرَّكُ بإيعَازٍ مِـنَ الدَّمــاغِ ( الأنَـا.. لَدىٰ فرويد، وَ مُحَـرِّكُ الدُّمَـىٰ.. في مَسـرحِ العَرائسِ) بإشـارةٍ كهربائيَّـةٍ يَنقلُهَا الجَّهازُ العَصبيُّ، لِتَنتجَ حَركاتٌ مُختلفَةٌ.
فَأصابعُ الأطرافِ تَتمَلْملُ كأنَّهَا كائناتٍ حَيَّةٍ " ذاتَ ذاكرةٍ وَ ألمٍ "، تَعملُ علىٰ وفقِ مَبدأِ اللَّذةِ!
قادرةٌ علىٰ التَّفكيرِ وَ الحوارِ، وَ تحملُ منَ المشاعرِ وَ الأحاسيسِ تَجعلُهَا مَحطَّ إعتبارٍ وَ تَعبيرٍ عنْ تَعبٍ وَ إرهاقٍ، وَ تَصِــرُّ مَعــهُ علىٰ التَّشبُثِ بِالحياةِ، فَترسِلُ رَسائلَهَا عنْ طريقِ التَّنمُّلِ وَ الإرتِجـافِ بِالعَتبِ وَ لَـومِ الآخرِ، وَ التَّذكيرِ بِمهمَّاتٍ فَسلجيَّةٍ، ماديَّةٍ، أدَّتْهَا بِإتقانٍ.
فَلَطالَمَـا رَتَّبَتِ الحُروفَ علىٰ الوَرقِ،
وَ كَفكَفَتِ الدَّمْــعَ، وَ مَسحَـتْ عَـرقَ الجَّبينِ.. بَلْ هُناكَ مَا هوَ أعظمُ!
فَقدْ تَولَّتْ الطَّعامَ عندَ الضَّعفِ، وَ أخذَتِ الأحبابَ بِالأحضانِ..
وَ الأنكَىٰ.. وَاجهتْ قَلعَ الأظافرِ منَ السَّجانِ في أثناءِ إنتزاعِ إعترافاتٍ لا وَجودَ لَهَا..
مِنْ هُنا تَشكَّلتْ شَخصيَّةُ بَطلِ القِصَّةِ بناءً علــىٰ مَـدَىٰ قِـدرتِــهِ علـىٰ إدارةِ الصِّــراعِ المُستمرِ بينَ مُتطلَّباتِ " الأصابِعِ " الصَّعبَةِ وَ القَواعدِ وَ القيمِ الإخلاقيَّةِ الصَّارمَةِ في المُجتمَعِ.
#ثَانيًّا:- حُبْكةُ النَّصِّ..
الحُبكَــةُ تقُــودُ إلــىٰ الحَــلِّ، مــرُورًا بالذَّروَةِ، فَتَفكيـكِ العُقـدِةِ.. ثُــمَّ النَّهــايَــةِ.
وَ هي ــ كمَا أسلَفنَا آنفًا ــ ضــرُورَةٌ حَتميَّةٌ لِلقصَّةِ، وَ لا يُمكنُ أنْ يَكونَ سَردٌ قَصصيٌّ دُونَهَــا، لإنَّهَـــا تضبطُ حركةَ الشخصيَّــاتِ
وَ تَشِدُّ القارئ إلىٰ النهاية.
في هٰذا النَّصِّ " أصابعي"..
قَـامتْ حُبْكـةٌ مُعقَّـدةٌ، قُوامُهَــا حِوارٌ بَينَ جَســدٍ راقـدٍ "في نَومٍ عَميقٍ"، وَ أصَـــابعِ أطرافٍ " تَتملْملُ"!
وَ الحِـوارُ في النَّصِّ السَّردِي (القِصَّــةُ القَصيرةُ مَثلًا) هوَ أمَّـا حِـوارٌ خــارجيٌّ أو حِوارٌ داخليٌّ كِلَاهُمَا لَهُ أساليبُهُ المُختلفَةُ، لِدَفـعِ حُبْكـةِ النَّـصِّ لِلـذَروَةِ وَ تَطـويرِهَـــا،
وَكَشفِ مَلامحِ شَخصيَّاتِهِ. أو الغَوصِ في أعماقِهَا وَكشفِ الأفكارِ وَ المَشاعرِ الخَفيَّةِ.
يَديرُ هٰذا الحِوارُ بَطلُ القِصَّةِ مِنْ جانبٍ، وَ أطرافُهُ منَ الجانبِ الآخرِ، وَ مُلخَّصُهَـــا تَوافَرَتْ قَراءَتُهُ لَنَا منْ خِلالِ مِنظارَينِ:-
#المِنظارُ الأوَّلُ:- كَشفُ حِسابٍ
بِحَسبِ تَوصيفِ الأصـابعِ في النّصِّ
" كَكَيانــاتٍ مُستقلَّةٍ، وَ أبطـالٍ مَجهُولينَ خاضُوا مَعاركَ الحَياةِ بِصمتٍ معَ الجَّسدِ".
بَدأَ الحِوارُ بِسؤالِ 'الأصابعِ' عنْ جَدوَىٰ تَشبُّثِهَا بِالحياةِ رُغمَ حالةِ الخُوَارِ وَالإنهَاك:
* البَدنـي.. بَعدَ مجهُــودٍ شـاقٍّ وَ مُستمِــرٍّ،
* النَّفسي.. بعدَ اسْتنزافِ وَفقدانِ الحافِزِ.
* وَ إنهاكِ المَصدرِ/الجَّسدِ.. بِسببِ ضغُوطِ العَملِ أو الحَياةِ اليَوميَّةِ!
هٰـذهِ 'الكائنَـاتُ' لَيستْ مُجرَّدُ عظـامٍ وَمَفاصلٍ، إنَّمَا كَتبَتْ قِصَّةً، وَمَسحَتْ دَمعةً، وَ رَتَّبـتْ حُروفًــا، وَ أطعمَـتْ، وَ احتضَـنتْ، وَ تَحمَّلتْ مَا لا يُطاقُ..
بَلْ تَصَـدَّتْ بِعنفوانٍ لِقلعِ أظافرِهَــــا، وَ مَا بَصماتُهَــا مُجرَّدَ خطُوطٍ، إنَّمَا هي خَريطةُ أفعالٍ. حَرصتْ كَثيرًا، وَ ضَحَّتْ، وَ مَنحَتْ القُوةَ وَ الأمانَ!!!
#مُفارقَةٌ
مِنْ لَطائفِ الكَلامِ.. مَا جاءَ في الآيةِ الكَريمَةِ( ١٨ ) منْ سورَةِ النَّملِ علىٰ لِسانِ النَّملةِ لِلنَبي سُليمان عَليهِ السَّلامُ:-
{حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُـمْ لَا يَحْطِمَنَّكُـمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ}
فَقدِ اشْتَملَ كَلامُهَا أحدَ عَشرَ جِنسًا ـ في هٰذهِ الآيَةِـ مِنَ الكَلامِ فَهـي:
(نـادَتْ، وَ كَنَّتْ، وَ نَبّهَتْ، وَ سَمَّتْ،
وَأَمرَتْ، وَ قَصَّتْ، وَ حَذَّرَتْ، وَخَصَّتْ،
وَ عَمَّتْ، وَ أشارَتْ، وَ عَذرَتْ).
وَ أمامَنَا ' الأصابِعُ ' في النَّصِّ وَ مَا فَعلتْهُ بِطيبِ خَاطرٍ!
#المِنظارُ الثَّاني:- تَمْهيدٌ لِمستَقبلٍ
الإقْـرارُ وَ البَوحُ بِحَقيقَـةِ مَشــاعرَ دَفينةٍ، وَ التَّسليمُ بِأمرٍ وَاقعٍ هوَ شَجاعَةٌ
وَتَحمُّلُ مَسؤوليَّةٍ لِبناءِ الثِّقَةِ في العَلاقاتِ المُستقبليَّة.
" لقد أرهقتكم.." هٰذا إعترافٌ صَريحٌ
جاءَتْ بعدَهُ أفعالٌ أُخرَىٰ لا يُطاقُ حِملُهَا، وَصَلتْ إلــىٰ حَدِّ قَلْعِ الأظافِـرِ، في حـالَـةِ الصُّمودِ، ثُمَّ البَقاءِ حَيًّا.
وَ هوَ يُحسبُ لِلشخصِ الَّذي يَتكلَّمُ معَ أصابعِهِ بَعدَ قُصُورٍ حَصلَ بِسببِ ظرُوفٍ خارجَةٍ عنِ الإرادَةِ، أو نَقصِ إمكانيَّاتٍ ماديَّةٍ، أو عَجزٍ بَدنيٍّ.
وَ يُتحفُنَــا سياقُ النَّصِّ الأخلاقِي بِتقديرِ الأصـابعِ منْ خِلالِ كَلامٍ يَعكسُ التَّســامحَ وَ قوَّةَ العَلاقَةِ مَفادُهُ:-
"نحن نضحّي بمرونتنا لنمنحك القوة،
و نتصلب لنمنحك الأمان !"
وَ منَ المُثيرِ إنَّ المُستقبَلَ تَحققَ قَطعًا، دونَ أنٔ يَتحقَّقَ زَمنُهُ!
وَ ذلكَ منْ سياقِ نَهايَةِ النَّصِّ، وَ تَحديدًا في الفِعلَيْنِ ( سنسكن، سنترك) فَضلًا عنِ الأفعالِ (نتحمل، نقبض، نضحي، نتصلب، ننتهي، ...)
وَ مَا إستعمالُ حرفِ الإستقبالِ ٱلــ (سين) بَدلًا منْ ( سَوفَ ) إلَّا دَلالةٌ وَ عَلامةٌ علىٰ جَزمِنَا بِذلكَ.
نَعمْ.. كِلاهُمَا يَدخلانِ علىٰ الفِعلِ المُضارعِ فَيُحوَّلانِهِ منَ الحاضِرِ إلىٰ المُستقبلِ.
بَيْدَ أَنَّ الحَرفَ( سين ) يَدلُّ علىٰ المُستقبلِ القَريبِ، وَ هوَ حَرفُ تَنفيسٍ لِحَدثٍ قَريبِ الوقُوعِ.
بَينمَا الحَرفُ ( سَوفَ ) يَدلُّ علىٰ المُستقبلِ البَعيدِ، كَحرفِ تَسْويفٍ لِحَدثٍ يَحدِثُ بعدَ مُدَّةٍ قدْ تَطولُ!
كُلُّ ذٰلكَ.. حَشَّــدَ في نَفـسِ المُتلقِّــي مَشاعِرَ جَيّاشةً بِالدَّهشَةِ وَ الإستغرابِ منْ حِـوارٍ يَكـادُ أنْ يَكُـونَ حَقيقَـةً واقعَـةً بينَ وَعيِّ عَقلِ الجَّسـدِ، وَ بـينَ اللَّاوَعي بِلُغَــةٍ سَلِسَةٍ تَمَكَّنَ القاصُّ مِنْ خِلالِهَا أنْ يُوصِلَ فِكرَةً شَدَّتِ القارِئ لِلمُتابَعةِ، دُونَ إجبارِهِ علىٰ ذٰلكَ.
#ثالِثًا:- بيىَٔةُ النَّصِّ
هيَ المُحيطُ الثَّقافِي، وَ الأجتماعِي، وَ التَـأريخِي الَّذي تَحرَّكَــتْ فيهِ الأحداثُ
وَ تَأثَّرتْ بِهِ.
١) إمْكانيًّـــا:-
الأفكارُ وَ المَشاعرُ وَ السُّلوكيَّاتُ السَّــائدَةُ
وَ العَلاقاتُ البَيْنيَّةُ.
في النَّصِّ الأدبيِّ تُعَدُّ عَلاقَـةُ الأطرافِ بِالجَســدِ رَكــيزَةً تَعكِــسُ البُعـــدَ النَّفســي
وَ الهُويَّةَ الإجتماعيَّةَ وَ الثَّقافيَةَ لِلشَخصيِّةِ، بِحيثُ تُؤدِّي الأطرافُ دَورًا مُهِمًّا في مَجالٍ معيَّنٍ، لإظهـــارِ القُــوَّةَ أو الضَّــعفَ وَ هي أدواتٌ تَعبيريَّةٌ، وَ رمُوزٌ دَلاليَّةٌ تَكشفُ عنْ إنفعالاتٍ وَ صراعــاتٍ تَعجِزُ الكَلمــاتُ عنْ وَصفِهَا. وَ مَا لُغَةُ الإيماءَاتِ إلَّا وَاحدةٌ منْهَا لِنقلِ مشاعرَ خَفيَّةٍ.
فَمثلًا الأصَابِعُ المُرتجِفَـةُ (في النَّصِّ: المُتَملمِلةُ) تُعبِّرُ عنِ التَّوترِ، بَينمَــا تَشـابُكُ اليَدينِ يَعكسُ الإنغلاقَ أو الدِّفاعَ.
وَبِمَا أنَّ الجَسدَ ذاكرَةٌ وَ تَأريخٌ يَحملُ في أطرافِـهِ تَراكمـَاتِ القَمـعِ، أو السِّجـنِ، أو الإنتظارِ، يُحوُّلُ حَركةَ الطَّرفِ أو سكُونِهِ إلىٰ " نَصٍّ" بَليغٍ يَختزلُ السَّردَ الطويلَ.
٢)زَمانيًّـــا:-
الزَّمنُ الَّذي وَقعتْ فيهِ أحداثُ النَّصِّ:
هدُوءُ لَيــلٍ وَ ضَـوءُ قَمَرٍ.. "حين يغطُّ الجسد في نومٍ عميق"، فيشتدُّ وَطيسُ الذّكرياتِ، معَ هدُوءِ حَركةِ الخَارجِ.. تَتَملمَلُ أطرافُ الجَّسدِ المُتهالِكِ، وَ تَدخلُ مُباشرَةً في سياقِ الأحداثِ..
حينَهَا يَظهرُ إبداعُ الكاتِبِ في وَضعِ القارِئ بالزَّمنِ الَّذي تَخَيَّلهُ وَ هوَ قَريبٌ إلىٰ الوَاقعِ، عَنْ طَريقِ الرّجوعِ إلىٰ الوَراءِ وَ التَّداعي، فَجَعلَهُ يَعيشُ زَمنًا ماضيًا، معَ إنَّ الحَديثَ عنْ مُجرياتِ قِصَّةٍ في الزَّمنِ الحَاضرِ.
٣) مَكانيًّـــا:-
يُؤثِّرُ المَكانُ في تَوجيهِ أحداثِ النَّصِّ في دارِ سَكنٍ، يَخْلِدُ الجَسدُ فيهَا إلىٰ النَّومِ وَ الرَّاحةِ، بِحيثُ صارَتْ مَسرحًـا طَبيعيًّــا يَتفاعَلُ فيهِ معَ أطرافِهِ بِالسَّردِ القَصصيِّ، منْ خِـلالِ رَسـمِ مَلامِــحَ شَخصيَّـــاتٍ وَ تَطويرِهَا، وَخَلقِ جَوٍّ نَفسيٍّ، وَإيصالِ أبعادٍ دَلاليَةٍ سِيميائيَّـةْ وَ رَمزيَّةٍ لِلنَّصِّ الأدبـيِّ؛ حَتَّىٰ يَطِلُّ عَلىٰ زَواياهُ القارِئُ.. بِأَريَحيَّةٍ!
وَ حَتمًا أنَّ المَكانَ عَبَّرَ عنْ حالَةٍ شعُوريَّةٍ (كَالضيـــقِ، أو السَّعـــادةِ، أو الإغتِــرابِ)
وَ أصبحَتْ هـٰذهِ الحالَةُ تَرمِزُ إلىٰ الضَّياعِ أو الطُّموحِ.
#رَابعًا:- لُغَةُ النَّصِّ...
بعدَ هٰذهِ المُؤشراتِ الَّتي سِقناهَا عنِ النَّصِّ، لا بُدَّ أَنْ نُعرِّجَ علىٰ لُغتِهِ.
إمتَازَ النَّصُّ بِخاصيَّةِ الحِوارِ مَرةً، وَ أُخرَىٰ بالسَّردِ القَصصيِّ، بِألفاظٍ سَهلةٍ وَاضحَةٍ، لمْ نَجدْ مُبالغَةً في اسْتعمالِ مُحسَّناتٍ بَديعيَّةٍ، مَعنويَّةٍ أو لَفظيَّةٍ، لِتَزيينِ الكَلامِ وَ تَحسينِهِ بِزيادَةِ جَمالِهِ وَإيقاعِهِ، بِلُغةٍ عَربيةٍ فُصحَىٰ.
قَصَّ لَنَـا النَّصُّ وَاقعًا إنسانيًّا يَهدفُ تَرسيخَ فِكـرةِ الحَـديثِ الدَّاخلــيِّ كَصـوتٍ صـامِتٍ يَدورُ في الذِّهنِ.
وَ هوَ ــ قَطعًا ــ عَمليَّةُ تَأمُّلٍ وَ تَوجيهٌ لِلأفكارِ وَ المَشاعرِ بِنَمطٍ إيجابيٍّ لِبناءٍ مَــا،
وَ تَعزيزُ الثِّقةِ بِالنَّفسِ، وَ هوَ كَذٰلكَ وَاقعِيٌّ لِتقييمِ حَقائقَ وَ مَواقفَ مَوضوعيًّا، بَعيدًا عَنِ اللَّومِ وَ التَّشاؤمِ، وَ مَــا يُسبِّبُ التَّوتُّــرَ وَ الإحباطَ.
(بل كان من خلال هذه الأنامل التي تحمل في مساماتها تاريخاً من الأمان وانا اذوب بين ذرات التراب حضنا لوردة يفوح عبيرها او انسانا يشيِّد املًا لأجل حياة تزهو من جديد.) النص
هـٰذا الحَديثُ الدَّاخلـيُّ يُعَـدُّ تَنظيمٌ فَعَّالٌ بُغيَةَ تَحسينِ جَودةِ الحَياةِ وَ تَحفيزِ القُـدرَةِ علىٰ مُواجَهَـةِ التَّحدِّيــاتِ وَ حَـلِّ المُشكلاتِ بِأسلوبٍ غيرِ مُباشرٍ لمْ يَحملْ بينَ طَيّاتِهِ وَصيَّةً أو وَعظًا، إنَّمَا وَصَلتْ فِكرتُهُ لِلمتلقِّي منْ خِلالِ تَتابعِ الأحــداثِ
وَ تَفاعِلاتِهَــا، بِشكلٍ مُوجـزٍ مَـعَ تَفاصيــلَ صَغيـــرَةٍ، تَنتقِــلُ بَـينَ ضَميـــرِ المُتكلِّـــمِ
وَ المُخــاطَبِ، مَكَّـنَتِ القَــارِئ أنْ يَتخيَّــلَ مُجرياتِ القصَّةِ وَ التَّفاعلِ مَعهَـا.
#أَخِـــــــــــيرًا
رُبَّ قائِلٍ يَقولُ:- اِسْتِطرادُ الكاتِبِ
في مَقــالةٍ أو دَراسةٍ بِمَثَـــابَةِ تَسويـقِ
أفكـارِهِ أَو حَجْـبِ نُقَــاطِ الضَعـفِ فـي
بَيانِـهِ وَ طرُوحاتِــهِ.
وَ مَـا قَدَّمتُهُ لمْ يَكنْ إسهابًــا بِمعنَىٰ
الإسرافِ، إنَّمَـــا أَرَىٰ ضُـرورَةَ الإطنَــابِ
اِستَوجبَهَـــا تَوضيـحُ وَ كَشـفُ غمُـوضِ
بَعضَ المَفَـــاهيـمِ الـوَاردَةِ فــي سيَــاقِ
الكَلامِ.
وَ شَفيعِي في ذٰلكَ مُصطلَحاتٌ لَهَا وَقْعٌ حَسَـنٌ فـي تَفـاعلِ المُتلقِّــي، وَ لَهَــا أهميِّـةٌ كَبيـرةٌ فـي بِنــاءِ نصُـوصٍ رَصينَــةٍ تَحمِــلُ الإبــدَاعَ فـي صَنـاعَـةِ المُتعَـةِ، لا يُمكِنُ أنْ نَطلقَ الكَلامَ علىٰ عَواهنِـهِ عنها، أو نَتحدَّثُ بِعَفويَّةٍ دُونَ تَرَوٍّ وَ تَوضيحٍ لِتنويرِ المُتلقِّي.
خِتَـامًــا.. وَجدْتُ مُسَـوِّغًــا لِكتابَةِ كَـمٍّ كَثيرٍ مِــنَ " المُلاحَظَـاتِ وَ المُصطَلحَـاتِ" لِلتعبـيرِ عَمَّـا يَليـقُ بِدراسَةٍ وَ تَقويمٍ أَدَبيٍّ لِقِصَّـةٍ قَصيـرَةٍ كَتَبهَـــا مُـبدِعٌ في السَّـردِ الأدبيِّ ــ عَلىٰ حَـدِّ مَا قَرَأتُ لَهُ ــ فَـــأَراهُ يَتصَــدَّىٰ لِمَواقفَ تَثـيرُ حَفيظَةَ المُتلقِّي،
وَ المُتابِعَ علىٰ حَدٍّ سَواءٍ، وَ سَيظهَرُ جَلِيًّـا لِقارِئ القِصَّةِ القَصيرَةِ، مَوضوعِ الدَّراسَةِ،
وَ مَا ذَهبتُ إليهِ...
بُورِكَتْ جهُودُ الكاتبِ الٕاستاذِ الفاضِلِ ( عَليُّ البَدرِ )، وَ عَسىٰ أنْ يُتْحِفَ السَّاحَةَ الأدبيَّةَ بِمَا لَديهِ مِنْ إبداعاتٍ أُخرَىٰ..
مَـعَ أَطيبِ التّحيَّــاتِ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق