كان جلالة الضبع العظيم حفظه الله ونصره، رُفقة قائده الشهم المغوار، الثعبان قائد الجند البواسل والجيش المنصور الذي لا يُهزم..، يتسامران ذات ليلة صيفية مُقمرة بجانب مغارة الحُكم، بعد افتراسهما غزالين دسمين من الرَّعية المغبونة والمغلوب على أمرها، إذا بأسراب من الخفافيش قد ملأت فضاء ذلك المكان تروح وتجيء، توقف الضبع عن الكلام وراح ينظر إليهم باهتمام بالغ، وسأل الثعبان قائلا: لماذا لا أرى الخفافيش في النهار يا ثعبان، لماذا هم دائما ينشطون ليلا، لماذا لا يظهرون في وضح النهار مثل بقية المخلوقات، لماذا هم على هذه الحال، هل هناك شيءٌ لا أعرفه عنهم، أخبرني يا ثعبان فهذا الأمر يُحيرني كثيرا، ولطالما وددتُ أن أسألك عنهم، إلا أن الفرصة لذلك لم تتأتَّ وها قد أتت الآن، فما خبرهم؟
الثعبان: الحقيقة يا مولاي أنا أيضا في حيرة من أمرهم، ولكن ما أعرفه عنهم أنهم ليسوا كبقية الخلق، إنهم يختلفون عنهم اختلافا جذريا، حتى أنني أعتقد في بعض الأحيان، أنهم من طائفة الجن والشياطين والمردة الملعونين، فأشكالهم قبيحة مُرعبة يتقزز منها كل من يراها أو يقتربُ منها، إن الحيوانات يا مولاي على اختلاف أنواعها تتقزز وتعاف رؤية هذه الأشكال العفنة المُقرفة، وأظنهم لهذه الأسباب اعتزلوا النشاط في وضح النهار، وقرروا وُلُوجَ عالم الليل..
الضبع: إجابتك لم تُفِدْنِي بشيء يا ثعبان، اِذهب حالا واستدع لي كبيرهم.
الثعبان: سمعا وطاعة يا مولاي العظيم، ثم ذهب وبحث عن كبير الخفافيش حتى وجده، وأحضره معه إلى ملك الغابة.
الضبع(سائلا كبير الخفافيش): لماذا أنتم معشر الخفافيش تختفون بالنهار ولا تظهرون إلا بالليل، لماذا لا تسيرون في وضح النهار مثل بقية الخلق، لماذا فضلتم الظُّلمة على النور، ألا ترون أن ظلام الليل يحرمكم متعة النهار وبَهَاءَهُ، ويحجب عنكم الاستمتاع بجمال الطبيعة ورونقها الخلاب، ألا ترون أنكم بصنيعكم هذا تعيشون حياة التخلف في دياجير الظلام، بينما ينعم غيركم من طيور وحيوانات وحشرات على اختلاف أنواعهم بالنور والضياء والوضوح؟
كبير الخفافيش: يا مولاي، إن ضوء النهار ساطع في عيوننا، يُعمي أبصارنا ويمنعنا من الرؤية، يُكبل حركتنا ويشل من عزيمتنا، فنحن فيه لا نستطيع البصر ولا التحرك من أجل التقوت، فهو شر علينا ونقمة، أما في الليل فبصرنا حاد جدا، فالليل وظلامه من أنسب الأوقات وخيرها بالنسبة إلينا، وهو سُترة لنا ونعمة.
الضبع: قلت بأن الليل وظلامه سُترة لكم ونعمة أيضا، فكيف ذلك يا خُفَّاش؟
الخفاش: إن هنالك أمر بالغ الأهمية والحساسية يا صاحب الجلالة والسمو والمقام الرفيع، فأشكالنا غير مستحبة البتة في عيون جميع المخلوقات، وذلك راجع إلى طبيعة خِلقتنا..
الضبع: وكيف ذلك؟
الخفاش: نحن يا مولاي وكما لا يخفى عليكم وعلى أيٍّ كان، ولادتنا تكون بخروجنا من بيضة، والذين يُولدون بهذه الكيفية لا يرضعون أمهاتهم، ونحن نشكل الاستثناء بمخالفة هذه القاعدة، فنحن أبناء البيضة ونرضع أمهاتنا مثل أي حيوان ثديي، إضافة إلى ذلك فإن لنا أشكال الفئران ونُشبههم في الخِلقة كثيرا، فنحن فئران مُجنحة تطير وهذا المظهر غريب، وعلى ما يبدو فإنه أزعج المعترضين على حكمة الخالق ومشيئته، فبدل أن يتأملوا في خلق الله وحكمته في خلقه ويُسبحوا بحمده، فإنهم لم يُسلِّمُوا بالاختلاف، ولم يتفهَّموا أو يُراعوا خصوصيتنا، ونظروا إلينا بعين الغرابة والاستقباح والاستهجان، واعتزلونا وما عادوا يُكلموننا أو يختلطون بنا، وراحوا يُناصبوننا العداء مُعتقدين أننا مسخ وملعونين.
فهذه السلوكات المشينة والطائشة والجاهلة واللامسؤولة، أصابتنا بالإحباط وأثارت حساسيتنا وحفيظتنا، وجعلتنا نُحس بالنقص والدُّونيَّة وعقَّدَتنا، ثم إننا لسنا الاستثناء الوحيد في هذه الدنيا المليئة بالتنوع والأعاجيب، فمثلما نحن فئران خفافيش، هناك في أمكنة أخرى من بلاد أخرى في هذا العالم الفسيح ثعالب خفافيش، وتلك إرادة الخالق وحكمته، وله في خلقه شؤون، فنحن يا سيدي لم نخلق أنفسنا، ولو كان للمخلوق إرادة وتصرف في خلق نفسه، لخلق نفسه بصورة جميلة بديعة ولتنافسوا في ذلك، بل ولتحاربوا جراء هذا الأمر، ولو أمكن ذلك لفسد الأمر كله، فالحكمة تقتضي الجمال والقبح وما بينهما، فللخالق حكمة فيما يفعل، ولا أحد له القدرة على ذلك إلا الله عز وجل، والحمد لله أولا وآخرا..
الضبع(في سره): فئران تطير..، وثعالب تطير..، إن ذا والله أمر خطير وشَرٌّ مُستطير، أعوذ بالله من الشيطان الحقير، إن أخشى ما أخشاه أن يأتيني أَحَدٌ ويُخبرني بتماسيح وذئاب وكلاب وفهود ونمور وفيلة تطير..، وحينها لا شك في أن مُلكي أيضا سيطير..
ثم مخاطبا كبير الخفافيش: ولكن أنت تعلم يا خفاش، أنني أصدرتُ أوامري بحظر المشي ليلا، وعدم السير فيه أو التنقل لأيِّ سبب من الأسباب، وتَوَعَّدتُ المُخالفين بالقتل والتمثيل بجثثهم، ألم تسمع ذلك في الخطاب التاريخي، الذي ألقيته أمام الجموع الغفيرة المُحتشدة في الساحة الكبيرة المُقابلة لمغارة الحُكم، وإن لم تكن حاضرا ولم تسمع بأذنيك مباشرة، فحتما قد بلغك الخبر وعرفتَ، إنكم بتصرفكم هذا يا سيِّد خُفَّاش، أدخلتم الغابة في فتنة عمياء عظيمة، فبسببكم تجرأ بعضٌ من رعاياي المُشاغبين وقالوا: في أيِّ شيء هم أحسنُ منا الخفافيش، يُترَك لهم الحبلُ على الغارب، بينما نُضطهدُ نحنُ ويُضيَّقُ علينا الخناق ويُشدَّد، إنكم حقا أحرجتموني كثيرا بتصرفكم اللامسؤول هذا، وجعلتموني في وضع صعب وحال لا أُحسَدُ عليها.
الخفاش: ونحن أيضا يا مولاي في وضع لا نُحسَدُ عليه، وهذه الحال ليست باختيارنا، إننا مُضطرون مُكرَهون، ورغما عن إرادتنا، مُجبرون لا مُخَيَّرُون.
الضبع: حسنا يا كبير الخفافيش، اِذهب إلى قومك واستمتع بالظلام الذي تجدون فيه راحتكم ومُتعتكم..، وأبلغهم سلام وتحيات ملكهم هبة الله وحبيبه، جلالتنا العظيمة.
زعيم الخفافيش: سمعا وطاعة يا مولاي العظيم.
وبمجرد أن غادر الخفاش وانطلق عائدا، قال الضبع في اتجاه الخفاش: (تفوه) على هذه الأشكال العفنة، والحُثالة المُقرفة المُقززة، ثم مُخاطبا الثعبان: أتدري يا قائد الجند أن هؤلاء متخلفون فكريا وعقائديا، فهِؤلاء الأوغاد عوض أن يُغادروا غابتي ويهاجروا منها إلى غير رجعة، بعدما نبذهم المجتمع وازدراهم، غيَّروا استراتيجيتهم وتكتيكهم إلى النشاط ليلا، إن من يرضى العيش في الظلمة دون النور، ويُفضل العتمة على الضوء، هو دون أدنى شك سقيم الفكر والعقل، ومُتخلف عقليا وفكريا وعقائديا، ووصمة عار وخزي في جبين مجتمعه وأُمَّتِهِ، وهذه الطائفة هي إحدى زُمر التخلف والانحطاط، الذي أصاب المفاصل بالشلل والوهن، والعروق بالانسداد والتلف، ألا لعنة الله عليهم أينما حَلُّوا وحيثما ارتحلوا.
الثعبان: إذا أراد مولاي إبادتهم واجتثاثهم عن بكرة أبيهم، فإنني سأفعل الآن واللحظة قبل التي تليها، والليلة قبل طلوع الفجر، فما شيءٌ أسهل عليَّ من هذا.
الضبع: دعك منهم يا ثعبان، وابتعد عن الداء الخبيث حتى لا تُصَابَ به، دع النار تأكل بعضها، فهم لا يستحقون حتى بصقة تُلقيها في وجه أحدهم، إنهم أتفه من التفاهة وأحقر من الحقارة، إنهم ملة عفنة وخونة، شيمهم الغدر والنذالة..
الثعبان: نهاجمهم نهارا يا مولاي.
الضبع: وهل تعرف أين يكونون نهارا حتى تُهاجمهم وتستأصل شأفتهم، إنهم لا يُعرف لهم مكان بالنهار، ولا رائحة تُشَمُّ لهم فتدل عليهم، ولا خَبَر أو دليل من أثر يهدي إليهم، وبالليل هم بكل مكان كالطاعون المُستشري والمُتفشي في كل الأوصال، رُؤيتهم بالليل حادة ولا يظهرون إلا فيه، وتَعَقُّبُهُم في هذا الوقت خطير ومُجازفة كبيرة، تدعونا للحذر منهم واجتنابهم، والكف والابتعاد عنهم.
وأصارحك القول يا ثعبان، في حياتي كلها ما خِفتُ أحدا ولا طائفة كخوفي وخشيتي من شر هؤلاء، إنهم منافقون وخطرون، فلا أخطر ولا أخس ولا أنذل منهم.
لقد بلغني من مصادر كثيرة موثوقة، أنهم عند لقائهم بمجتمعات الطير، يُفردون أجنحتهم ويبسطونها ولا يقبضونها طيلة لقائهم واجتماعهم معهم، لِيُوهِمُوهُم بأنهم طيور مثلهم، على الرغم من أن أجنحتهم لا ريش فيها، وأجنحة الطير مكسوَّة بالريش، ولهم أسنان قاطعة كأسنان الفئران، والطيور لا أسنان لها، وعند لقائهم واجتماعهم بمجتمعات الفئران، يقبضون أجنحتهم ولا يحركونها، ويكشفون عن أسنانهم التي تشبه أسنان الفئران، حتى تستأنس بهم ولا تنفر منهم، فظاهر الحال أنهم سعداء بهم ويبتسمون لهم، والمراد هو لِيُرُوهُمْ ويُشعروهم بأنهم فئران مثلهم، أرأيت مدى نفاقهم وخطرهم..، فلا هُمْ إلى الطير ينتسبون، ولا إلى الفئران أصل طبيعتهم يعودون وينتمون..
بقلم: عبد الكريم علمي
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق