الخميس، 27 أغسطس 2026

قاعة كمال الأدمغة وقاعة كمال مخارج الحروف بقلم منداس غريسي

النّص: قاعة كمال الأدمغة وقاعة كمال مخارج الحروف

لَيْتَ في هذه الدنيا قاعةً لكمال الأدمغة، وقاعةً أخرى لكمال مخارج الحروف!

فكما يدخل الإنسان صالةَ كمال الأجسام، فيرفع الحديدَ ليقوّي عضلاته، ليت له أن يدخل صالةً يرفع فيها أثقالَ الفكر، ويشدُّ فيها أوتارَ العقل، ويجري فوق جهازٍ اسمه: «التفكير قبل الكلام»!

هناك، لا دمبلَ من حديد...

بل دمبل اسمه: «لماذا؟»

وبارٌ اسمه: «كيف؟»

وأثقالٌ اسمها: «ماذا لو؟»

أما أثقل تمرين، فيُسمّى:

«اعترف بأنك قد تكون مخطئًا!»

وهذا التمرين بالذات يحتاج إلى عضلات فكرية لا تُبنى في يوم، ولا تنفع معها المنشطات!

يدخل المتدرّب بعقلٍ مترهّل، فيضعه المدرب أمام المرآة ويقول:

— هيا... أرني عضلة التفكير!

فيحاول الرجل أن يفكر...

فيتعب!

ثم يحاول مرة ثانية...

فيطلب استراحة!

أما الذي اعتاد أن يأخذ أفكاره جاهزةً من الآخرين، فسيكون أول الخارجين من القاعة؛ لأن عضلات عقله لا تحتمل أول حصة!

ثم ننتقل إلى القاعة العجيبة:

قاعة كمال مخارج الحروف.

هناك لكل حرف مدرب، ولكل مخرج تمرين، ولكل لسان برنامجٌ تدريبي!

يدخل الضاد فيجد نفسه أمام مدرّب صارم:

— من أين تخرج؟

فيجيب الضاد:

— من مخرجي، يا سيدي!

فيقول المدرب:

— إذن أثبت ذلك!

فيبدأ التدريب:

ضَ... ضِ... ضُ...

حتى يخرج الضاد من فمه عزيزًا كما خرج من أفواه الفصحاء!

أما القاف فقد وضعت لها الإدارة برنامجًا خاصًا؛ فقد سئمت من كثرة التنقل بين القاف والكاف والجيم، حتى كادت تطلب جواز سفر!

والراء لها قصة أخرى...

فالراء لا تحتاج إلى حصة عادية، بل إلى تأهيل خاص!

يضعها المدرب أمام المرآة ويقول:

— هيا، اهتزّي!

فتقول:

رَ... رِ... رُ...

مرةً ترتجف...

ومرةً تتلعثم...

ومرةً تخرج شامخةً تهزُّ السكون!

أما العين، فتدخل القاعة فتبحث عن مخرجها، فيقول لها المدرب:

— لا تبحثي بعيدًا... لقد وُلد لكِ مخرج!

لكن المصيبة ليست في الحروف وحدها...

فبعض الألسنة تحتاج إلى صيانة شاملة!

لسانٌ يتدرب على الكلام قبل أن يتدرب على التفكير، ولسانٌ سريعٌ في الجواب بطيءٌ في الفهم، ولسانٌ يحفظ ألف كلمةٍ للخصومة ولا يجد كلمةً واحدةً للاعتذار!

ولهذا أقترح إنشاء قسمٍ جديد داخل القاعة:

قسم كمال الصمت.

نعم... الصمت!

فالصمت أحيانًا أقوى تمرينٍ للسان.

يوضع المتدرّب أمام جملةٍ مستفزة، ويُطلب منه ألا يجيب.

ثم أمام شائعةٍ، ويُطلب منه ألا ينقلها.

ثم أمام خصومةٍ، ويُطلب منه ألا يزيد النار حطبًا.

فإذا نجح...

تمنحه الإدارة ميدالية الصمت الذهبي!

وهناك قسم آخر:

كمال الكلمة.

يتعلم فيه المتدرّب أن يزن الكلمة قبل أن يطلقها؛

لأن الكلمة ليست هواءً يخرج من الفم وينتهي...

قد تكون وردةً في قلب إنسان، أو شوكةً في صدره، أو جسرًا بين اثنين، أو سكينًا لا يُرى جرحها.

ثم تأتي المسابقة الكبرى!

يصطف المتنافسون أمام لجنة التحكيم، ويُطلب من كل واحد أن ينطق:

«قَرَأَ الضَّادُ قَصِيدَةً في ظِلِّ شَجَرَةٍ.»

الأول أضاع الضاد.

والثاني فقد القاف.

والثالث دخل في معركةٍ مع الراء.

أما الرابع فنطقها سليمةً من أول مرة.

فسأله الحكم:

— أين تدربت؟

فابتسم وقال:

— في المكان الذي تعلمت فيه أن الفصاحة ليست أن تتكلم كثيرًا، بل أن تقول الجميل في موضعه، والصواب في وقته، والحق بأدبه.

عندها صفق الجميع.

ثم نهض رئيس اللجنة وقال:

— لقد اكتملت المسابقة!

فسأله أحدهم:

— ومن الفائز؟

فقال:

— لم يفز صاحب أقوى جسد...

ولا صاحب أفصح لسان...

ولا صاحب أضخم عقل...

بل فاز من جمع قوة الجسد إلى رجاحة العقل، وفصاحة اللسان إلى سلامة القلب، وجمال الكلمة إلى جمال الخُلُق.

فكم من جسدٍ مفتول العضلات...

وعقلٍ يحتاج إلى إنعاش!

وكم من لسانٍ فصيح...

يُتقن زخرفة الكلام ويعجز عن قول: «أخطأتُ»!

وكم من عقلٍ ذكي...

يحتاج إلى قلبٍ حكيم!

لذلك، لو خُيّرتُ في افتتاح صالات الدنيا، فلن أكتفي بصالةٍ لكمال الأجسام...

سأفتح صالةً لكمال الأدمغة،

وصالةً لكمال مخارج الحروف،

وصالةً لكمال الصمت والكلمة،

ثم أبني فوقها جميعًا صالةً واحدةً لا غنى عنها:

قاعة كمال الأخلاق.

فالجسد إذا قوي بلا عقلٍ قد يصبح قوةً عمياء،

والعقل إذا لمع بلا أخلاقٍ قد يصبح مكرًا بارعًا،

واللسان إذا فصح بلا ضميرٍ قد يصبح سلاحًا،

أما إذا اجتمعت قوة الجسد، ونباهة العقل، وفصاحة اللسان، ونظافة القلب...

فهناك فقط يبدأ الإنسان في بناء عضلته التي لا يراها أحد:

عضلة الإنسانية.

بقلم الشاعر: منداس غريسي / الجزائر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

ميثاق الحرف الأول بقلم اشرف محمد ضمراني

ميثاق الحرف الأول  ............. .. . .... . مساء الخير للكلمة اللي كانت نايمة   وصحت فجأة وقالت أنا تعبت   تعبت من اللي بيشيلها زينة   ومن ...