الخميس، 27 أغسطس 2026

حين يقف الوطن بين النار والحياة بقلم منداس غريسي

النّص: حين يقف الوطن بين النار والحياة

بقلم الكاتب: منداس غريسي/ الجزائر

في هذه الصورة، لا يقف رجلٌ أمام النار فحسب؛
بل تقف الجزائر نفسها بين لهيبٍ يريد أن يلتهم، وماءٍ جاء ليحفظ ما تبقّى من الحياة.

رجلٌ في قلب المشهد، مشدودُ القامة، مرفوعُ الذراعين، كأن في عضلاته ذاكرةَ وطنٍ لم يتعلّم يومًا الانحناء. وعلى صدره هلالٌ ونجمة، وعلى كتفه علمٌ آخر؛ حتى ليخيّل إليك أن الراية نزلت من السارية، وارتدت جسد إنسان.

إنه ليس رجلًا يحمل العلم؛
بل رجلٌ حمل العلمُ بعضَ ملامحه.

خلفه، تشتعل الأشجار، وتتلوّى الأغصان في أحضان اللهب، ويتصاعد الدخان كأنه حزنُ الأرض حين ترى رئتيها تحترقان. النار تمدّ ألسنتها في كل اتجاه، لا تميّز بين شجرةٍ معمّرة ونبتةٍ صغيرة، ولا بين عشّ طائرٍ ومأوى حيوان.

لكن الماء في الجهة الأخرى لا يفاوض النار؛
إنه يواجهها.

خرطومٌ ينفث الحياة، ومروحيةٌ تحلق فوق المشهد كطائرٍ من طيور النجاة، تحمل الماء من السماء إلى الأرض، وكأن السماء نفسها أرسلت جندها لإغاثة غابةٍ تستغيث.

وفي أسفل الصورة، حيواناتٌ صغيرة تلوذ بالنجاة؛ عيونٌ لا تعرف معنى الحدود ولا أسماء البشر، لكنها تعرف بالفطرة أن الغابة بيتٌ، وأن احتراق البيت ليس خبرًا عابرًا، بل اقتلاعٌ لجذر الحياة.

وهنا تكبر الصورة عن إطارها.

فالشجرة التي تحترق ليست شجرةً فقط؛
إنها ظلُّ جدٍّ جلس تحتها، وعشُّ طائرٍ احتمى بأغصانها، ونَفَسُ طفلٍ سيكبر يومًا في هوائها، وذاكرةُ أرضٍ لا تُقاس بعمر الإنسان.

والغابة ليست مجموعةً من الأشجار مصطفّةً في صمت؛
إنها كائنٌ عظيم يتنفس بنا، ويمنحنا دون أن يسألنا ماذا أعطيناه في المقابل.

أما ذلك الرجل الجزائري، فليس بطلًا من الأساطير، ولا شخصيةً خرجت من كتابٍ قديم؛ إنه صورةٌ رمزية لكل يدٍ جزائريةٍ تعرف أن الوطن لا يُحبّ بالكلام وحده.

فالوطنية ليست أن نرفع العلم في المناسبات فحسب؛
الوطنية أن نرفعه في سلوكنا، وأن نحرس الأرض التي يرفرف فوقها، وأن نغرس شجرةً حين يقطعها غيرنا، وأن نطفئ نارًا قبل أن تتحول إلى كارثة، وأن نترك لأبنائنا وطنًا لا يحتاجون فيه إلى صورةٍ قديمة ليتذكروا كيف كانت غاباته.

لقد عرف الجزائري عبر تاريخه معنى أن يقف في وجه النار؛
غير أن معارك اليوم تغيّرت صورها.

قد تكون المعركة في الجبل،
وقد تكون في الغابة،
وقد تكون ضد الجهل واللامبالاة،
وقد تكون في مواجهة شرارةٍ صغيرة يعرف العقلاء أنها قد تصبح جحيمًا إذا وجدت من يتركها.

ولهذا، فإن رجل الإطفاء في هذه الصورة لا يحمل خرطومًا فحسب؛
إنه يحمل مسؤولية.

والمروحية التي تسكب الماء من السماء ليست آلةً تطير فقط؛
إنها صورةٌ للتكامل حين تتوحّد الإرادة:
يدٌ على الأرض،
وعينٌ في السماء،
وقلبٌ واحدٌ يريد أن تبقى الجزائر خضراء.

أما النار، مهما علت ألسنتها، فليست أقوى من إرادة الحياة.

فالنار تأكل في ساعاتٍ ما احتاجت الأشجار إلى عقودٍ لتبنيه،
لكن الإنسان يستطيع أن يزرع من جديد؛
وما دام في الوطن قلبٌ ينبض، ويدٌ تعمل، وضميرٌ يستيقظ، فلن يكون الرماد نهاية الحكاية.

قد تحرق النار شجرةً…
لكنها لا تستطيع أن تحرق معنى الشجرة.

وقد تترك وراءها رمادًا،
لكنها لا تستطيع أن تمنع الجزائر من أن تُنبت غدًا أخضر.

وفي أعلى المشهد، يطل الهلال والنجمة في هدوء؛ كأنهما شاهدان على المعركة، وكأن الراية تقول لأبنائها:

هذه الأرض أمانة.
فلا تجعلوا النار آخر ما يُكتب في ذاكرتها.

لذلك، حين نرى هذه الصورة، لا ينبغي أن نرى رجلًا مفتول العضلات يطفئ حريقًا وحسب؛ بل ينبغي أن نرى ضميرًا جزائريًا يقف بين النار والحياة.

ضميرًا يقول:

لا تتركوا الغابة وحدها.
لا تتركوا الأرض للرماد.
لا تجعلوا اللامبالاة شرارةً ثانية.

ازرعوا حيث احترق،
وأطفئوا قبل أن يستفحل،
واحرسوا قبل أن تندموا.

فالوطن ليس مكانًا نسكنه ثم نغادره؛
الوطن أمانةٌ تسكننا،
وما نحميه اليوم… هو ما سيحمينا غدًا.

وحين يشتعل الوطن، لا يكفي أن نقف بعيدًا ونرثي اللهب؛
ينبغي أن نكون من الذين حملوا الماء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

رواسب بقلم ماهر اللطيف

رواسب (ق.ق.ج) بقلم:ماهر اللطيف /تونس دمعت العين، نزف القلب، تجمّد العقل، وارتعش الجسد... استنجدت بالذاكرة بحثًا عن مخرج، وفتشت بين أوراق الس...