الأحد، 30 أغسطس 2026

مَا لَا تَرَاهُ الْمَدِينَةُ بقلم مَنْدَاسْ غَرِيسِي

النّص: مَا لَا تَرَاهُ الْمَدِينَةُ

بِقَلَمِ الْكَاتِبِ: مَنْدَاسْ غَرِيسِي — الْجَزَائِر

كُنْتُ أَمْشِي فِي الْمَدِينَةِ، حِينَ رَأَيْتُهُ.

كَانَ عِنْدَ حَاوِيَةٍ صَامِتَةٍ، يَنْحَنِي كُلَّمَا رَمَتِ الْمَدِينَةُ شَيْئًا.

قِطْعَةٌ مَعْدِنِيَّةٌ...

قَارُورَةٌ بِلَاسْتِيكِيَّةٌ...

سِلْكٌ نُحَاسِيٌّ...

يَقْلِبُهَا بَيْنَ أَصَابِعِهِ، ثُمَّ يُودِعُهَا كِيسًا أَسْوَدَ.

كَانَ ثَوْبُهُ رَثًّا، وَحِذَاؤُهُ يَحْمِلُ غُبَارَ أَرْصِفَةٍ كَثِيرَةٍ.

سَأَلْتُهُ:

— مَاذَا تَجْمَعُ؟

رَفَعَ رَأْسَهُ، وَابْتَسَمَ:

— مَا لَا يَعُودُ يُرِيدُهُ أَحَدٌ.

ثُمَّ عَادَ إِلَى انْحِنَائِهِ.

عِنْدَ الْمَسَاءِ، حَمَلَ أَكْيَاسَهُ إِلَى مَكَانِ إِعَادَةِ التَّدْوِيرِ.

وُزِنَتْ أَكْيَاسُهُ.

صَدَرَ صَوْتُ الْمِيزَانِ.

وَضَعَ الرَّجُلُ بَعْضَ النُّقُودِ فِي كَفِّهِ، عَدَّهَا، ثُمَّ طَوَاهَا بِعِنَايَةٍ وَأَخْفَاهَا.

لَمْ يَشْتَرِ شَيْئًا لِنَفْسِهِ.

دَخَلَ مَخْبَزًا.

خَرَجَ وَفِي يَدِهِ أَرْغِفَةٌ دَافِئَة.

وَاصَلَ طَرِيقَهُ.

فِي الْيَوْمِ التَّالِي، رَأَيْتُهُ فِي الْمَكَانِ نَفْسِهِ.

كَانَ طِفْلٌ صَغِيرٌ يَنْتَظِرُهُ عَلَى الرَّصِيفِ.

لَمَّا رَآهُ، رَكَضَ إِلَيْهِ.

مَسَحَ الرَّجُلُ عَلَى رَأْسِهِ، وَأَخْرَجَ مِنْ جَيْبِهِ قِطْعَةَ حَلْوَى.

قَالَ الطِّفْلُ:

— أَبِي... هَلْ بَقِيَ شَيْءٌ؟

نَظَرَ الرَّجُلُ إِلَى الْكِيسِ.

كَانَ فَارِغًا.

ثُمَّ نَظَرَ إِلَى الطِّفْلِ.

وَابْتَسَمَ:

— بَقِيَ.

وَأَمْسَكَ يَدَهُ.

مَرَّتْ أَيَّامٌ.

وَفِي صَبَاحٍ، رَأَيْتُ الْحَاوِيَةَ نَفْسَهَا.

كَانَتْ فِي مَكَانِهَا.

وَكَانَتِ الْمَدِينَةُ تَرْمِي مَا لَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ.

لَكِنَّ الرَّجُلَ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ.

لَمْ أَعْرِفْ لِمَاذَا.

وَبَيْنَمَا أَهُمُّ بِالانْصِرَافِ، لَمَحْتُ قَارُورَةً بِلَاسْتِيكِيَّةً تَتَدَحْرَجُ قُرْبَ قَدَمِي.

انْحَنَيْتُ وَرَفَعْتُهَا.

كَدْتُ أَرْمِيهَا.

ثُمَّ تَرَدَّدْتُ.

قَلَبْتُهَا بَيْنَ يَدَيَّ.

وَلَا أَدْرِي لِمَاذَا تَذَكَّرْتُ وَجْهَهُ.

وَضَعْتُهَا فِي جَيْبِي.

وَفِي طَرِيقِي إِلَى الْبَيْتِ، رَأَيْتُ مِنْ بَعِيدٍ صَبِيًّا صَغِيرًا يَجْرِي خَلْفَ رَجُلٍ يَحْمِلُ كِيسًا أَسْوَدَ.

تَوَقَّفْتُ.

لَمْ أَرَ وَجْهَ الرَّجُلِ.

لَكِنَّ الطِّفْلَ كَانَ يَضْحَكُ.

أَخْرَجْتُ الْقَارُورَةَ مِنْ جَيْبِي.

نَظَرْتُ إِلَيْهَا طَوِيلًا.

ثُمَّ وَضَعْتُهَا فِي أَقْرَبِ حَاوِيَةٍ لِإِعَادَةِ التَّدْوِيرِ.

وَمَشَيْتُ.

لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ:

هَلْ كُنْتُ أَرْمِي قَارُورَةً...

أَمْ أُعِيدُ إِلَى يَدَيْهِ شَيْئًا سَقَطَ مِنِّي؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

هذا الوقت سيمر بقلم أسامة صبحى ناشى

(( هذا الوقت سيمر ))*** إن كنت لا تعلمين ماذا جرى .. فإليك هذا العقد ... فيه توقيع من باع ومن إشترى .. وإننى حين الفراق .... واسيت نفسي...