ليس الفقدُ أن تغيبَ،
بل أن تبقى نافذتي مفتوحةً
ولا أحدَ يُطلُّ.
حينَ غابَ الدافئُ من المهدِ، وتوقَّفتْ ساعةُ الحقلِ عندَ اسمِ أمي، أدركتُ أن الترابَ ليس وطناً، بل هو جسدُ امرأةٍ تُوَلِّدُنا كلَّ صباحٍ ثم تُدفَنُ في آخرِ النهارِ. أبحرتُ بروحي نحو الأعالي، لا لأبحثَ عن وطنٍ يلمُّ شتاتَ الأمنيات، بل لأنَّ السماءَ وحدَها كانت تعرفُ كيف تُخيطُ خريطتَهُ المُمزَّقةَ من تحتِ إبطِ القمرِ.
لم أكن طارئاً على الغيم، بل ابنَهُ الشرعيّ؛ أرضعتهُ حلمي عسلاً مخلوطاً بغبارِ المعابرِ، حتى صارَ كلُّ سحابٍ يمرُّ فوقَ القريةِ يُجهِضُ مطرَهُ خوفاً من أن يُبلِّلَ قبورَ الشهداءِ فيُوقظَهم على زيفِ النشيدِ. فَضَحِكَ الغيمُ باكياً، لأنَّ المطرَ كانَ أصدقَ من النشيدِ.
صرتُ هناك، حيث السكينة والنجومُ الساهرات، أكتبُ بمدادِ النورِ، وأحفرُ في صخرِ الظلامِ ملامحَ أملٍ لا يزول. وكنتُ كلَّ ليلةٍ أعدُّ نجومَها، كأنِّي أعدُّ حباتِ الرمّانِ التي كسرتُها مع جدتي قبل أن تسقطَ هي الأخرى.
لكنَّ النجمةَ التي كانت تضيءُ طفولتي، تلكَ التي سقطتْ دونَ استئذانٍ، همستْ لي في آخرِ ليلِها:
"لا تبكِ وطني؛ فالأوطانُ لا تموتُ، لكنَّها تُصبحُ ندوباً في خاصرةِ من يشتاقُ. أنا الآنَ لستُ نجماً، بل شقّاً في جدارِ الغيمِ، يُشرفُ على وطنٍ لا يُرى إلا بعينِ من فقدَ كلَّ شيءٍ، فلم يبقَ لهُ إلا عيناهُ."
وهناك، حيثُ ينتهي الكلامُ، أدركتُ أنَّ السماءَ لم تكن يوماً بعيدةً عن قلبٍ يعلمُ كيفَ ينبثقُ من رحمِ اليتمِ ضياءً، وكيفَ يحوِّلُ حزنَ الغيابِ إلى ترتيلةِ إيمانٍ لا تُغَنَّى، بل تُعاشُ.
فالوطنُ النهائيُّ ليس تحتَ الأقدامِ، بل على كفِّ الغيمِ. هناك، حيثُ تَرثي النجومُ نفسَها، لأنَّها أضاءَتْ طويلاً، ثُمَّ التفتَتْ إلى الأرضِ فلم تجدْ في عيونِنا إلا انعكاسَ ضوئِها القديمِ، فأطفأتْ نفسها، لا خجلاً، بل لأنها رأتْ في وجه أمي آخرَ مرآةٍ تستحقُّ الضوءَ، فلمَّا غابتْ هي الأخرى، لم يعدْ للنجومِ معنىً تُضيءُ من أجله، لكنَّ الوطنَ وجدَ في عيونِنا ما يُغنيهِ عن النجومِ.
#بقلم الشاعر ناصر إبراهيم @
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق