الأحد، 30 أغسطس 2026

آخر محطة بقلم عبدالفتاح الطياري

آخر محطة 
في شقة عتيقة متآكلة الجدران بحي «حلق الوادي»، حيث تتعانق رائحة يود البحر مع غبار الـ (TGM) العتيق، عاشت راضية سجينة أوهام ماضٍ بورجوازي بائد. كانت تملأ زوايا البيت الموحش بأحاديث مكررة عن عزّ عائلتها الغابر في قصور الضاحية الشمالية، وتضغط بأمل يائس على ابنتها ريم لتظفر بزواج ينتشل الأسرة من انحدارها المحتوم.
كانت ريم كائناً هشّاً من خزف، يثقل كاهلها عرجٌ خفيف دفعها إلى اعتزال العالم واللجوء إلى مجموعتها الصغيرة من التماثيل الزجاجية الدقيقة التي اقتنتها من أزقة المدينة العتيقة. كل مُهْرٍ شفاف أو طائر بلوري على رف غرفتها كان مرآةً لروحها الشفيفة وعالمها المنعزل عن صخب العاصمة القاسي. أما شقيقها إلياس، فكان يقتله الروتين في مستودع رطب بميناء الشحن، يلوذ بسجائره خلسة على شرفة تطل على السكة الحديدية، حالماً بالفرار على متن أول باخرة تمخر عباب البحر، ليخلف وراءه عويل أمه المستمر وخيبات أخته الصامتة.
في ليلة صيف خانقة، وتحت وطأة إلحاح الأم، دعا إلياس زميله سامي إلى العشاء بوصفه «الخاطب المنتظر» الذي سيبعث الدفء في أركان البيت الكئيب. تهيأت ريم بارتعاشة خفية، وأشعلت الشموع حين انقطع التيار الكهربائي كعادته في الأحياء القديمة. جلست قبالة سامي، ولأول مرة باحت بسر كائناتها الزجاجية، مأخوذة بحديثه الواثق وحضوره الآسر. غير أن سامي، وفي غمرة حركة حماسية عفوية وهو يروي مغامراته، أطاح بحصانها الأثير ذي القرن البلوري؛ فهوى الحصان الخرافي أرضاً، وانكسر قرنه ليتحول إلى مجرد جواد عادي.
ابتسمت ريم بمرارة غائرة؛ فقد تلاشت هالة التفرّد كما تبدد وهمها تماماً حين اعتذر سامي بلطف، كاشفاً أنه خاطبٌ بالفعل وسيُزف إلى عروسه الشهر المقبل. ما إن غادر الشاب حتى انفجر صراخ راضية تتهم إلياس بالتواطؤ وإهدار الفرصة، فما كان من الفتى إلا أن صفع الباب خلفه ومضى في شوارع الليل، تاركاً البيت إلى غير رجعة.
تسللت ريم في عتمة الغرفة، تطفئ الشموع واحدة تلو الأخرى، ثم انسلت من البيت بخطى متثاقلة تسحب عرجها فوق الحصى البارد. كانت تقبض بكفها المرتجف على الحصان المكسور حتى غرزت حوافه في لحمها، متجهة نحو قضبان قطار الضاحية الساحلية حيث تلفها رطوبة البحر ونفحات الملح.
نظرت إلى امتداد الحديد البارد تحت الأضواء الباهتة؛ كان السكون يلتهم كل مساحات النجاة، تاركاً إياها وجهاً لوجه مع قسوة واقع لا يرحم الكائنات الرقيقة. لاحت في عتمة الأفق البعيد كشافات القطار كعينين تشقان السواد، واهتزت الأرض تحت قدميها بصفيره العالي، لتقف ريم متأرجحة بين رغبة جارفة في أن يسحق المعدن المتوهج خيباتها، وبين برودة الزجاج المنكسر في يدها، في انتظار مصيرٍ يزحف نحوها بسرعة خاطفة.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

المكر الاقتصادي بقلم سليمان الجزائري

حقوق محفوظة – حقوق المؤلف بقلم: سليمان الجزائري عنوان: المكر الاقتصادي كيف يكون هذا المكر الاقتصادي مفيدًا لجميع الدول؟ هذه الاستراتيجية صُم...