بقلم:ماهر اللطيف /تونس
جلس في ركن مظلم من بيت الجلوس، يتأمل الجدران والأثاث وكل محتويات المنزل. ارتشف قهوته المرة، وانهمرت دموعه كعادتها. تنهد من أعماقه وقال:
«كانت هنا... تصول وتجول، تنظف، تطهو الطعام، ترتب البيت، تنشط حياتنا، تضحكني وتبكيني، تتدخل فيما يعنيها وما لا يعنيها... تستشيرني في كل كبيرة وصغيرة، وتتصرف في ميزانية البيت بكل حكمة واقتدار.»
صمت قليلًا، ثم أضاف وهو يجول بعينيه في المكان:
«كيف أصبح البيت هكذا؟»
قام من مكانه واتجه نحو بيت النوم. توقفت عيناه عند صورة الحاجة بلقيس المعلقة على الجدار. اقترب منها، مسح عنها طبقة من الغبار بيدين ترتعشان، وبقي لحظات صامتًا، ثم قال:
«هاجرت ابنتنا يقين مع زوجها إلى كندا منذ سنوات. وتحولت خولة للعيش مع زوجها وأبنائها في الجنوب. أما ابننا...»
توقف، وابتلع غصة.
«أما ابننا حمزة، فلا نعلم إلى اليوم شيئًا عنه. ركب البحر نحو الضفة الأخرى وانقطعت أخباره.»
أطرق رأسه، ثم تابع:
«كان البيت عامرًا، ينبض حياة وسعادة وحيوية، رغم الهنات العادية التي تحدث في كل بيت. كنا أسرة سوية، قوية، متحدة، ننعم برغد العيش... ثم بدأ كل شيء يتغير.»
مرر يده على إطار الصورة وقال:
«لا زلت أتذكر يا بلقيس حوارنا الأخير، قبل أن يبدأ الأبناء في مغادرة البيت. كنا نخطط لغد مبتور من أحد أسسنا، حين قلتِ لي بعد جدال طويل:
ـ ننجب، نربي، نداوي، ندرس، نساعد على بناء الشخصية، نتعب، نشقى، نسهر الليالي... ليأتي من يحرمنا منهم بمهر وبعض الهدايا!
ـ تلك سنة الحياة. والدك رحمه الله فعل الشيء نفسه، وأخواتك وأنا...
ـ أعلم ذلك، لكن الحقيقة بشعة، تخلف المرارة والوجع والحسرة والأذى.
ـ سنتعود على ذلك بمرور الوقت. ثقي يا حبيبتي أننا سننهي حياتنا كما بدأناها... سويًا.»
ابتسم ابتسامة خاطفة سرعان ما انطفأت.
«كنتِ واثقة من ذلك يا بلقيس... وأنا أيضًا كنت أصدقك.»
تنهد، ثم شهق وأردف:
«وها أنا أكملها بمفردي... في هذا البيت الذي يذكرني كل شبر فيه بكم جميعًا. هنا جلستم، وهنا ضحكتم، وهنا اختلفتم، وهنا تصالحتم... حتى همزاتكم ولمزاتكم ما زالت تتردد في أرجائه. ضحككم، دموعكم، أفراحكم وأحزانكم... كل شيء بقي، إلا أنتم.»
تجول بين الغرف ببطء، يفتح بابًا ثم يغلقه، يلمس شيئًا ثم يعيده إلى مكانه، كأنه يبحث عن زمن مضى.
توقف أمام هاتفه المحمول.
ثم نظر إلى هاتف المنزل الثابت.
ظل واقفًا ينتظر.
لعله يرن.
لعله يسمع صوت يقين، أو خولة، أو حتى حمزة...
لكن هيهات.
خاب ظنه ككل يوم.
عاد إلى مقعده، وأخرج من جيبه ورقة مطوية بعناية. حدق فيها لحظات، ثم فتحها وبدأ يقرأ بصوت مسموع:
«اشتقنا إليك كثيرًا أبي. كنا نود زيارتك جميعًا بعد أن نتفق على ذلك، فلم يبق لنا غيرك يربطنا بهذه العائلة.
لكن غياب حمزة أثر فينا كثيرًا. لم نستسلم أو نقر بموته، إذ ما زلنا نعتقد أنه حي، وأنه سيتصل بنا قريبًا إن شاء الله.
ولم نستطع نسيان بلقيس...
بلقيس التي توفيت في ظروف غامضة، وأثبت الطب الشرعي أنها تعرضت إلى تسمم.
وقد بينت أنت بالأدلة والشهود أنك كنت في تلك المدة في ضيافة بعض أصدقائك في مدينة بعيدة عن مدينتنا. لكننا جميعًا نعلم أنك كنت على خلاف كبير مع والدتي بسبب قلة الأموال وكثرة الطلبات، وتشبثك بالقيام بفريضة الحج رغم عدم توفر المال لذلك.
وقد هددتها أكثر من مرة بالنيل منها.
برّأك القضاء، في انتظار تبرئة رب السماء إن شاء الله.
أرجوك يا أبي، أتوسل إليك أن تشفي غليلنا وتخبرنا بالحقيقة. سنصفح عنك قطعًا.
ارفع عنا الغم والهم والشكوك التي تكاد تقتلنا.
سنصدقك... لأننا نحبك.
ابنتك الوفية يقين.»
توقف عن القراءة.
ظل يحدق في آخر سطر طويلًا.
ثم طوى الورقة ببطء، وأعادها إلى جيبه.
رفع عينيه نحو صورة بلقيس.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق