كان المساء هادئاً، ورائحة النعناع تفوح من إبريق الشاي على الطاولة الخشبية. على الشاشة الصغيرة، كانت المذيعة تختم تقريراً بمناسبة يوم المرأة، تُثني فيه على "نصف المجتمع" وتقدم التهاني الوردية المعتادة.
ابتسمت سارة، الطالبة الجامعية في عامها الأخير، ابتسامة امتزجت بالسخرية، ثم وضعت كتاباً كان بين يديها للكاتبة الراحلة نوال السعداوي. التفتت نحو والدها، العم عمر، وهو رجل ستيني تكسو ملامحه طيبة متزنة وثقافة تقليدية رصينة.
قالت سارة وهي تشير إلى التلفاز:
-هل ترى يا أبي؟ يختزلون قضية وجودية في وردة وبطاقة معايدة، بينما الهيمنة الذكورية تبتلع تفاصيل حياة النساء كل يوم.
وضع الأب نظارته جانباً، وصبّ كوبين من الشاي، وقال بهدوء:
-ولماذا ترين النصف الفارغ دائماً يا سارة؟ الاحتفال اعتراف بالجميل، وتقدير لدور الأم والزوجة والابنة. لِمَ الإصرار على تسميتها 'هيمنة ذكورية' كأننا في ساحة حرب؟
أخذت سارة نفساً عميقاً وأجابت بحماس شاب:
-لأنها حرب غير معلنة يا أبي! حين يقرر المجتمع سقف طموح المرأة، وكيف تلبس، ومتى تتكلم، ومن تختار، فهذه ليست وصاية حماية، بل منظومة أصلها ذكوري. الكاتبة نوال السعداوي تقول إن تحرير المرأة لا يبدأ بالورود، بل بتفكيك الفكر الأبوي الذي حوّل جسد المرأة وعقلها إلى عورة يجب حجبها أو تطويعها.
اعتدل العم عمر في جلسته، وظهرت علامات الجدية على محياه:
-سارة، بنيتي.. نحن لا نختلف على أن هناك ظلماً يقع على بعض النساء باسم العادات، لكن المشكلة في الطرح الراديكالي مثل طرح نوال السعداوي؛ إنها ترمي الدين والتقاليد والأخلاق في سلة واحدة وتعتبرها قيوداً. ألم يُكرّم الإسلام المرأة؟ ألم يعطها ذمة مالية مستقلة وحقاً في العلم والكرامة قبل أن تعرف أوروبا الحركات النسوية بقرون؟"
ردت سارة بذكاء محايد:
-لا أجادلك في روح الدين يا أبي، بل في 'من فسر الدين' عبر القرون. التاريخ صاغه الرجال، والفتاوى كتبها رجال عاشوا في بيئات ذكورية، فأسقطوا ثقافتهم على النصوص. لقد جُعلت مفاهيم مثل 'القوامة' ترخيصاً للتسلط، و'الحشمة' عبئاً أحادي الجانب. نوال السعداوي كانت تصدم المجتمع لتوقظه، حتى تفهم المرأة أن كرامتها نابعة من ذاتها وإنسانيتها، وليست منحة من أحد.
تأمل الأب كلمات ابنته، ولم يقاطعها بعصبية كما يفعل كثير من الآباء، بل قال بنبرة دافئة:
-أوافقكِ أن هناك من اتخذ الدين ستاراً لممارسة أنانيته ونزعته الذكورية، وهذا جهل وظلم نحاربه معاً. لكن خوفي يا بنيتي هو أن الاستيراد الأعمى للنسوية الغربية الراديكالية يقتلعنا من جذورنا. تحرير المرأة لا يعني تنفيرها من أنوثتها، أو تحويل الأسرة إلى صراع طبقي بين رجل وامرأة. القوة الحقيقية في التكامل والعدل، لا في العداء.
صمتت سارة للحظات، تزن كلمات والدها، ثم قالت:
-أنا لا أبحث عن عداء يا أبي، بل عن المواطنة الكاملة والحرية المسؤولة. لا أريد أن يُنظر إلى عقلي كاستثناء، ولا إلى صوتي كمصدر فتنة، ولا إلى مستقبلي كأمر ثانوي ملحق برجل. يوم المرأة بالنسبة لي ليس احتفالاً بما نحن عليه، بل تذكيراً بما يجب أن نصل إليه.
ابتسم العم عمر ومدّ يده ممسكاً بيد ابنته:
-إن كان التحرير يعني أن أرى ابنتي واعية، تفكر، تجادل بالمنطق، ولا تقبل الهوان لنفسها أو لغيرها، فأنا أول المناصرين لكِ. لكن تذكري دائماً: كوني حرّة بعقلكِ، وعادلة بقلبكِ، ولا تجعلي الغضب يعميكِ عن الجمال في تراثنا وقيمنا.
أعادت سارة كتابها إلى الطاولة بجانب فنجان الشاي، وقد أدركت أن كسر شوكة النزعة الذكورية لا يحتاج فقط إلى صرخات نوال السعداوي في الكتب، بل يبدأ أولاً من بيوتٍ يملك فيها الآباء شجاعة الإنصات، وتملك فيها البنات شجاعة التعبير.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق