بابٌ عتيقٌ لبيتٍ كبير،
جدرانُهُ ترتدي صلابةَ الحجر،
وعلى الفِرندا حبلُ غسيلٍ
تُلوِّحُهُ الريحُ كرايةٍ للغياب.
سيّدةٌ على كرسيٍّ تستريح،
ألقيتُ السّلام،
فنهضتْ كأنّها تُفاجَأ بظلٍّ قد عاد،
وتركتْ يديها على السور،
تتّكئُ وتستعيدُ أنفاسها.
قالتْ:
هل أنتَ نجمٌ هوى،
أم وحيٌ نزل؟
قلتُ:
افتحي بابَكِ لزائرٍ
لا يحملُ خطرًا،
بل يحملُ بعضَ أمل.
رمتْ لي مفتاحًا وقالتْ:
اصعدِ الدَّرَج.
فتحتْ بابَ شقّتِها،
وكانت خلفهُ،
والدّمعُ يسبقُ العينين،
لؤلؤٌ يتساقطُ من قلبٍ مثقل.
أيُّ تحيّةٍ أُلقي؟
وهل أنا من أمري في عَجَل؟
لكنّ البيتَ كان يفيضُ عبقًا،
مِسكًا يختلطُ بالذاكرة،
لم أتبيّنِ السّبب،
غير أنّ الأثاثَ والغبارَ
يحملانَ من السنينِ عجبًا.
جلستْ بجانبي،
وألبومُ صورٍ بين يديها،
تُقلّبُ الصفحاتِ ببطء،
وعند كلِّ صورةٍ
تتمهّلُ، تشرحُ،
ثمّ تسيلُ دموعُها نهرًا يسرح.
سألتُها: أين أصحابُ الصور؟
قالتْ:
هاجروا، ولم يبقَ عندي منهم أحد.
عرضتُ أن أنظّف البيت،
فابتسمتْ وقالتْ:
الأثاثُ والجدرانُ يحتفظونَ برائحتِهم،
فلِمَ على تنظيفِ البيتِ العَجَل؟
أنا أستأنسُ بما تبقّى،
أستنشقُ أثرَهم،
وأُطيلُ الأمل.
حينها أدركتُ أنّ الرائحةَ
ليستْ عبقًا فحسب،
بل نفسٌ ممزوجٌ بالزفير،
إذا اختلطَ بالأمل،
صار حياةً أخرى.
أأودّعُها؟ وكيف؟
ما ملكتُ صيغةَ المغادرة،
وبقيتُ مرهونًا معها،
بينَ وداعٍ لا يُحتمل،
وبينَ ما تحملهُ من أمل.
بقلمي: اتحاد علي الظروف
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق