الأحد، 23 أغسطس 2026

أسوار المتاهة بقلم عبدالفتاح الطياري

أسوار المتاهة
استيقظتُ واللهاث يمزّق صدري، وجسدي ينتفض كمن نجا لتوّه من الغرق في قاع كابوس لا قرار له. لم تكن الرؤيا غريبة عليّ، بل ذلك الملمس البارد لشوارع تشكّلت من زجاج ومرايا انعكست فيها وتكاثرت صور امرأة تجري حافية وسط العتمة، تلتفت نحوي بملامح آسرة ومبهمة، ثم تذوب في زاوية لا تفضي إلى شيء.
اندفعتُ خارج شقتي الضيقة، تاركاً صفحات رواية إيتالو كالفينو ملقاة على السرير، تدفعني رغبة عمياء نحو عروق المدينة المظلمة، باحثاً عن المنعطف المحدد الذي انقطع عنده خيط المطاردة. كان المطر يتساقط برذاذ خفيف، يبلل الأرصفة التي بدت تلك الليلة كأنها تنكمش وتتمدد في صمت مريب، حتى انعرجتُ نحو ساحة غارقة في السواد لم تطأها قدماي من قبل.
تحت ضوء قمر شاحب ومصابيح تكاد تلفظ أنفاسها، تجمّدت أطرافي من هول المشهد. لم تكن الساحة خالية؛ بل كان يقف فيها رجال غرباء، وفدوا من أصقاع شتى، ترتسم على وجوههم ملامح الهوس ذاتها وأعينهم غائرة بالأرق المحموم. كان كل واحد منهم يحمل فأساً وملاطاً وحجارة سوداء، يبنون جدراناً صلبة تسد المنافذ الضيقة، ويصفّون الصخور بدقة مرعبة وكأنهم ينفذون مخططاً مرسوماً في عالم الرؤى.
تقدمتُ بخطوات وجلة نحو أحدهم وهو يغلق زقاقاً بحجر ضخم. التفتَ إليّ ببطء، وفي عينيه لمعان يفيض بالجنون، ثم همس بصوت متحشرج: "هنا أضعتها البارحة حين تلاشت في الظلام... لن تهرب الليلة، نبني ما رأيناه لنحكم الوثاق". سرت برودة قاسية في عروقي وأنا أرى بقية الرجال يمدون الجدران كأنهم يشيدون مدينة "زبيدة" من جديد، يحيكون فخاً حجرياً عملاقاً لامرأة لا تسكن إلا الأحلام.
وقفتُ بين الفزع والانجراف، وحين تحسستُ جيبي دون وعي، لمستُ حجراً بارداً كنت قد التقطته من الطريق. نظرتُ إلى الفجوة الأخيرة المتبقية في الجدار العالي، ولم أتردد؛ خطوتُ نحوهم ووضعتُ حجري في مكانه، لأغلق المهرب الأخير في وجه الطيف، وأصبح شريكاً في سجننا الأبدي.
بقلمي عبدالفتاح الطياري -تونس

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

شهادة الحمورية «[4]» بقلم علوي القاضي

«[4]» شهادة الحمورية «[4]» (تفلسف الحمار فمات جوعا) (مفهوم حرية الإختيار عند    الفلاسفة وعلماء النفس) بحث وتحقيق : د/علوي القاضي . .★|★. وص...