الثلاثاء، 3 نوفمبر 2026

كَلِمَاتٌ فِي الْمِزَادِ الْعَلَنِيِّ بقلم مَنْدَاس غْرِيسِي

كَلِمَاتٌ فِي الْمِزَادِ الْعَلَنِيِّ
حِينَ تُصْبِحُ الْأَشْيَاءُ الَّتِي لَا تُشْتَرَى... مَعْرُوضَةً لِلْبَيْعِ.
   فِي سُوقٍ لَا تُعَلَّقُ عَلَى أَبْوَابِهِ لَافِتَةٌ، وَلَا يُسْمَعُ فِي أَرْوِقَتِهِ صَخَبُ الدَّلَّالِينَ، تُقَامُ كُلَّ يَوْمٍ مَزَادَاتٌ صَامِتَةٌ، تُعْرَضُ فِيهَا أَثْمَنُ الْأَشْيَاءِ، وَتُبَاعُ فِيهَا أَغْلَى الْمَعَانِي، وَيَقِفُ الْحَاضِرُونَ حَوْلَ الطَّاوِلَاتِ، لَا لِيَرَوْا مَا يُبَاعُ، بَلْ لِيَتَأَكَّدُوا مِمَّا بَقِيَ فِي جُيُوبِهِمْ مِنْ إِنْسَانِيَّةٍ.
 هُنَاكَ، تُعْرَضُ كَلِمَةُ الْحَقِّ فِي مَزَادٍ عَلَنِيٍّ، وَيُفْتَتَحُ سِعْرُهَا بِنَظْرَةٍ عَابِرَةٍ، ثُمَّ تُرْفَعُ قِيمَتُهَا كُلَّمَا اشْتَدَّ الصَّمْتُ، حَتَّى يَأْتِيَ مَنْ يَشْتَرِيهَا بِثَمَنِ مَوْقِفٍ، أَوْ يَتْرُكَهَا مُعَلَّقَةً بَيْنَ الْمِطْرَقَةِ وَالنَّدَمِ.

 وَيُعْرَضُ الْوَفَاءُ فِي زَاوِيَةٍ بَعِيدَةٍ، لَا يَقْتَرِبُ مِنْهُ كَثِيرُونَ؛ فَثَمَنُهُ بَاهِظٌ، لَا تُسَدِّدُهُ الْعُمْلَاتُ، بَلْ تُسَدِّدُهُ الْأَيَّامُ حِينَ تَضِيقُ، وَالْوُجُوهُ حِينَ تَتَغَيَّرُ، وَالْأَبْوَابُ حِينَ تُغْلَقُ فِي وَجْهِ الْعَابِرِينَ.

 أَمَّا الصِّدْقُ، فَقَدْ صَارَ سِلْعَةً غَرِيبَةً فِي بَعْضِ الْأَسْوَاقِ؛ يُقَلِّبُونَهُ بَيْنَ أَصَابِعِهِمْ، وَيَتَأَمَّلُونَ حُرُوفَهُ، ثُمَّ يَسْأَلُونَ: كَمْ يَرْبَحُ صَاحِبُهُ مِنْهُ؟ فَإِذَا قِيلَ لَهُمْ إِنَّهُ قَدْ يُكَلِّفُهُ كُلَّ شَيْءٍ، أَعَادُوهُ إِلَى الرَّفِّ، وَمَضَوْا يَبْحَثُونَ عَنْ بِضَاعَةٍ أَقَلَّ كُلْفَةً.

 وَتُعْرَضُ الْكَرَامَةُ أَحْيَانًا فِي مَزَادٍ لَا يُعْلَنُ عَنْ نَفْسِهِ؛ يَبْدَأُ الْمُزَايِدُونَ بِتَنَازُلٍ صَغِيرٍ، ثُمَّ يَرْفَعُونَ السِّعْرَ بِتَنَازُلٍ آخَرَ، حَتَّى إِذَا دَقَّتِ الْمِطْرَقَةُ، اكْتَشَفُوا أَنَّهُمْ لَمْ يَشْتَرُوا شَيْئًا، بَلْ بَاعُوا أَنْفُسَهُمْ بِالتَّقْسِيطِ.

 يَا لَغَرَابَةِ هَذَا الزَّمَنِ! تُشْتَرَى فِيهِ الْوُجُوهُ بِالتَّصْفِيقِ، وَتُسْتَأْجَرُ فِيهِ الْمَوَاقِفُ بِالْمَصْلَحَةِ، وَتُمنَحُ فِيهِ النُّجُومُ لِمَنْ يُحْسِنُ الْوُقُوفَ تَحْتَ الضَّوْءِ، بَيْنَمَا تَمْضِي الْكَوَاكِبُ الْحَقِيقِيَّةُ فِي عَتَمَتِهَا، لَا تَنْتَظِرُ مِنَ السَّمَاءِ شَهَادَةَ تَقْدِيرٍ.

 لَكِنَّ بَعْضَ الْأَشْيَاءِ لَا تَدْخُلُ الْمَزَادَ، وَإِنِ ارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ، وَتَكَاثَرَتِ الْأَيْدِي، وَاشْتَدَّ التَّنَافُسُ؛ فَهُنَاكَ ضَمِيرٌ لَا يُسَاوِمُ، وَحَقٌّ لَا يُرْهَنُ، وَذَاكِرَةٌ لَا تُمحَى، وَقَلْبٌ إِذَا خَسِرَ الْعَالَمَ كُلَّهُ، لَمْ يَخْسَرْ نَفْسَهُ.

 وَلَعَلَّ السُّؤَالَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ نَطْرَحَهُ قَبْلَ أَنْ نَرْفَعَ أَيْدِيَنَا لِلْمُزَايَدَةِ لَيْسَ: مَاذَا سَنَشْتَرِي؟ بَلْ: مَاذَا سَنَبِيعُ؟ فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ خَرَجَ مِنَ الْمَزَادِ رَابِحًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ عَادَ خَالِيَ الْيَدَيْنِ خَاسِرًا.

 فَبَعْضُ الْخَسَارَاتِ تُنْقِذُنَا، وَبَعْضُ الْأَرْبَاحِ تُفْلِسُ أَرْوَاحَنَا، وَبَعْضُ الصَّمْتِ أَغْلَى مِنْ أَلْفِ كَلِمَةٍ تُبَاعُ فِي سُوقِ الْكَلَامِ.

 وَحِينَ تُطْرَقُ الْمِطْرَقَةُ الْأَخِيرَةُ، وَيُعْلَنُ الدَّلَّالُ انْتِهَاءَ الْمَزَادِ، لَنْ يَبْقَى فِي الْقَاعَةِ سِوَى سُؤَالٍ يَتَرَدَّدُ كَصَدَى الْخُطُوَاتِ:

 مَنْ اشْتَرَى مَا لَا يَحْتَاجُهُ... وَمَنْ بَاعَ مَا لَا يُعَوَّضُ؟

بِقَلَمِ الْكَاتِبِ وَالشَّاعِرِ
مَنْدَاس غْرِيسِي – الْجَزَائِرُ

هناك تعليق واحد:

مشاركة مميزة

النصف الأبكم من الحياة بقلم مريم سدرا

النصف الأبكم من الحياة ظننت العشق جذوراً تشعبت في تربة روحي زهرة نبتت من غمائم  الشوق ففاحت بعبير لا يوصف ظننته حياة نبضة زائدة ولدت في  رحم...