حين تختلّ الموازين، تُباع الأشياء النفيسة في صمت، وتُعرض الأشياء الزائفة في واجهاتٍ من ذهب.
ليست كلُّ الأشياء التي لا تُقدَّر بثمنٍ غاليةً في أعين الناس، وليست كلُّ الأشياء التي تُباع بأثمانٍ باهظة جديرةً بما يُدفع فيها. ففي أسواق الحياة مفارقاتٌ لا تُدهش العابرين فحسب، بل تكشف عن خللٍ عميق في ميزان التقدير؛ أشياء ثمينةٌ تمرّ بين الأيدي بلا مقابل، وأشياء وضيعةٌ تتزاحم عليها الأيدي، ويُدفع في سبيل اقتنائها أغلى الأثمان.
هناك أشياء لا تُشترى، وإن عُرضت للبيع؛ كرامةٌ لا يساوم عليها صاحبها، ووفاءٌ لا تُحدّد قيمته الأرقام، وصدقٌ لا يحتاج إلى وسيطٍ يروّج له، وعقلٌ يزن الأمور بميزان البصيرة، وضميرٌ يظلّ يقظًا حين تنام العيون. تلك ثرواتٌ لا تظهر في كشوف الحسابات، ولا تُحفظ في الخزائن، لكنها وحدها ما يمنح الإنسان قيمته حين تسقط عنه كلُّ الألقاب.
وفي الجهة المقابلة، ثمّة بضائع رديئةٌ أتقنت فنّ التغليف، وأشياء فارغةٌ وجدت من ينفخ فيها حتى بدت قصورًا شاهقة. كلماتٌ جوفاء تُشترى بالتصفيق، ومواقفُ موسميةٌ تُسعَّر بحسب اتجاه الريح، ووجوهٌ تستمدّ بريقها من انعكاس الأضواء لا من نورها الداخلي. وقد يحدث أن يُمنح الرديءُ من الاهتمام ما لا يناله الأصيل، وأن يُفتح للزيف بابٌ واسع، بينما يقف الصدق طويلًا أمام أبوابٍ موصدة.
وما أغرب سوقًا يُصبح فيها الصمتُ حكمةً عند العاجز عن قول الحقيقة، ويُصبح الكلامُ بطولةً عند من لا يملك من الشجاعة إلا صداها! سوقًا تُقاس فيها القامات بارتفاع المقاعد، لا بارتفاع الهمم، وتُوزن فيها العقول بما تملك من مفاتيح، لا بما تحمل من مفاتيح المعرفة. هناك، قد يرتفع سعر الوضيع لأن الطلب عليه كثير، وقد تنخفض قيمة النفيس لأن أهله لا يجيدون المساومة عليه.
وليس الخلل دائمًا في البضاعة، فقد يكون في عين المشتري، ولا في الجوهرة، بل في يدٍ لا تعرف الفرق بين الحجر الكريم وقطعة الزجاج. فكم من جوهرةٍ مرّ بها الناس دون أن يلتفتوا إليها، وكم من زجاجةٍ ملوّنةٍ أبهرتهم حتى ظنّوها من نفائس الأرض! إنّ قيمة الأشياء لا تتغيّر دائمًا، ولكن مقاييس التقدير هي التي تتقلّب، وحين يختلّ الميزان يصبح الخطأ قاعدةً، والاستثناء موضع استغراب.
ولعلّ أشدّ المفارقات إيلامًا أن يُستنزف الإنسان في سبيل الاحتفاظ بما لا يستحق، وأن يفرّط في أثمن ما يملك من أجل مكسبٍ عابر. يبيع راحته ليشتري مظهرًا، ويبيع وقته ليجمع ما لا يحتاج، ويبيع كلمته ليحصل على رضا من لا يملكون لأنفسهم ثباتًا. ثم يمضي في آخر المطاف محمّلًا بما اقتنى، ومجرّدًا مما كان ينبغي أن يصون.
إنّ الرقيّ ليس في امتلاك الأشياء باهظة الثمن، بل في امتلاك القدرة على التمييز بين ما يستحق وما لا يستحق. وليس الغنى أن تكثر المقتنيات، بل ألّا تضطرّ إلى بيع ما لا يُعوَّض. فثمة أشياء إن فقدها الإنسان لم يجد لها بديلًا، وإن امتلك خزائن الأرض، وثمة أشياء إن امتلكها ظنّ نفسه غنيًّا، وهي في حقيقتها أثقالٌ تسرق منه خفّة الروح وطمأنينة الضمير.
فلنُعِد ترتيب رفوف الحياة؛ لنجعل للعلم مكانًا لا يزاحمه الجهل، وللخلق منزلةً لا يشتريها المال، وللكفاءة وزنًا لا ترجّحه المجاملة، وللإنسان قيمةً لا تختزلها واجهةٌ أو لقبٌ أو رصيد. فما كلُّ مرتفعٍ عالٍ، ولا كلُّ منخفضٍ وضيع، وما كلُّ ما يلمع ذهبًا، ولا كلُّ ما لا يلمع خاليًا من النفاسة.
فالثمين قد يعيش عمره بلا ثمن، لأنّ قيمته أكبر من أن تُباع، والوضيع قد يُشترى بأغلى الأثمان، لأنّ هناك من لا يعرف قيمة ما يدفعه.
وتلك هي المفارقة التي تستحق أن نتأمّلها طويلًا: ليس أخطر ما في الحياة أن ترتفع أسعار الأشياء، بل أن تنخفض قيمة المعايير؛ فحين يصبح النفيس بلا مشترٍ، والرديء بلا منافس، لا تكون الأزمة في السوق وحده، بل في الذوق الذي يختار، والعقل الذي يقدّر، والضمير الذي يرضى.
منداس غريسي – الجزائر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق