موعدٌ كاد أن ينتهي
بعناق
وحدي
بلا موعد في ركني المنتظر
و وحدي بلا محطة
قالت لي سأعود في الساعة السابعة
بموعد لقائنا مسائاً
عندما أخبرتني في الهاتف بعد غيابٍ
طويل
فقلت كم يلزمني من الوقت حتى المساء
لأشارك ذاتي بها
فرحت كثيراً للخبر الذي أحياني بعد الموت
خلف سنين العذاب
ركضت إلى الباب كرضيعٍ يركض لحضنِ أمهِ
لكي أرى اشعاع صورتها من بعيد
و تأملت خيراً بقدومها من الإستعارات و رقصت
في البيت رقصة الحالمين
و غنيت أغتية المحبين الشهيرة للوردة حتى
نزعي الأخير
قلت أجهز نفسي كي أغريها ثانية حينما ألتقي
بها لحبيبتي
حلقت ذقني أكثر من مرةٍ رطبته بالكولنيا ة
فتشت بكل شكلي في المرآة
حتى لا يبقى عيوب الجفاف العاطفي بصورتي
أمامها
فتحت خزانتي البنية على عجلٍ و لبست
أفضل قمصان إيطاليا
ثم مشطت شعري بالكريما المطري جيداً و صففته
كتسريحة العرسان بليلة زفافهم
و إخترت من بين عطوري أجودها فعطرت
كل جسدي بأفخم أنواع العطور
الفرنسية
و شغلت من مؤلفات العالميين أجمل موسيقة
الكمنجات إسبانيا
و أدمنته طرباً و أنا أدندن بالكلام ستأتي حبيبتي
نعم ستأتي إنها قادمة ثانيةً
لقد صدقت ما صدقت من كلامهم و كالمجنون
حلمت بلحظة لقاءٍ أبدي كان من قبل
فيا أيها الوقت المريض مر سريعاً إلى هناك
لمسائي الطويل
قبل أن أنفجر إشتياقاً فلم أعد أنفع للإنتظار
بعد
قلت لنفسي إن قابلتها سأضمها حتى أكسر
ضلوعها بالحنين
بحرارتي الساخنة مثل ضمة المراهقين بسنوات
البرائة الأولى الجميلة المشبع
بالحب
و قلت سأضع يدي بمنتصف خصرها و أشدها
أكثر نحوي
كي تشعر مثلي بالحنين فيصبح جسدين معاً
كجسدٍ واحد
أو ربما سأسرق من ثغرها قبلةً طويلة
حتى تغمى عليها فأكسر بها خحل النساء
أمام الليل
و قد أعيد رجولتي أمام أنوثتها فننسجم معاً
كتوأمين قديمين عاشقين للحياة بلهفتهما
المعسلِ بالشوق
و حلمت بها بأني كيف سأدللها بليلتي السعيدِة
المجملة بلحظات الغرام
و حلمت بأني كيف سأستعيد مكانتي بقلبها
و أسكن إمرأة
رسمتها بمخيلتي مثل أميرةٍ تسكن الشمس
تجرها عرابات خيولٍ بيضاء
رسمتها كغزالة و هي تأتي من السماء من بين
الغيوم السارحات بعيد الحب الأول بألوان
قوس القزح
ثم خرجت من البيت كالبرق مسرعاً إلى متجرٍ
قريب من بيتنا لأشتري زجاجتين من النبيذ
الأحمر و باقة ورد
رجعت بما إشتريت و أحضرت لها أشياء حفلتنا
و أنا أحلم بليلة من العمر السعيد مع فاتنة
سحرتني بجمالها
وصلت للباب ثم أخرجت مفاتيحي من جيبي
سمعت صوت رنة الهاتف و هو يرن من
داخل البيت
فأسرعت بفتح الباب ثم دخلت و ركضت
إلى هاتفي رفعت السماعة بعجل
ألو ألو من المتكلم معي فلم يجيب عليَ
أحد
قلت أعيد و أسأل من معي فلم يرد عليَ
أحد
فإستغربت في بادئ الأمر و بعد عدة مرات
و أنا أسأل من معي
سمعت بصوتٍ خفيف صوت فتاةٍ تبكي
بهمس أنا أنا
فقلت لها ما بكي لماذا تبكين يا حياتي قولي
ما الأمر
قالت لا شيء ينبض بخير فلا تنتظرني في
ذاك المساء كما وعدتك
فأنا لا أستطيع أن أأتي إليك و أعود من الغياب
و من حلمي العنيد
إنساني و انسى رقمي فالقد أصبحت لغيرك
الغريب
فلا ترجو من رحيلي سراباً فتموت حجراً
بطريق انتظارك
قلت أهكذا
قالت نعم هكذا هكذا
ثم أغلقت الهاتف في وجهي و أنا مازلت
أكلمها و لم أنهي حديثي معها بعد
وقفت بدهشتي تنهدت غضباً و قلت لنفسي
لقد خدعتني مرة أخرى و خانتني مجدداً و
هي تخرج من جلدي
خرجت ببطئ من الغرفة لصالون البيت و الحزن
يأكلني ألماً ألماً
فتحت أزرار قميصي كلها و غسلت وجهي
بالماء البارد لأصحو من الفاجعة
و وقفت أمام المرآة لأبصر فيه نفسي و أعاتب
نفسي على نسيانها لزمني
سكبت نصف كأسي من النبيذ تذوقته ثم مشيت
نحو النافذة لأرى من انتظرت و ما
خسرت
حدقت طويلاً بكل الشوارع التي تطلُ نافذتي
عليها فراغٌ فراغٌ فراغ
لا أحدٌ هناك يتجول في شارع النسيان معي
لا أثر لمن إنتظرت و بمن حلمت
فردني الخيبة ثانيةً لجسدي المهزوم من
للإنكسار و قال كن حجراً
فأجرعت كل كأسي بحسرة الإنتظار ثم كسرته
لأنتقم من لعنة المساء
ثم رجعت لطاولتي إلى أوارقي المبعثرة
و الحزن يداهمني
أمسكت بقلمي كي أكتب ما يمليني الضجر
بخسارتي
فلم أجد كلمات تليق بخيبتي و غيابها
بدلت موسيقى الكمنجات بالأغاني الفارسية
و رميت بكل أوراقي من على الطاولة
على الأرض
بكيت بقسوتها على نفسي و تمتمت مع
ذاتي المكسور بالأخ و الآه
هلهلت شعرت بقلبي الحزين و بوجعه و أصابني
دوارٌ خفيف و كدت أن أسقط أرضاً
ثم صرخت بأعلى صوتي يا حب لما كسرتني
من جديد
نظرت إلى ساعة الحائط و راقبت هروب
العقارب
من جهة اليسار إلى جهة اليمين بلا فائدة
راجعت بذاكرتي كل الصور و كل لحظات الحب
من قبل الهزيمة
فلم أجد سوى صورتي في الإنكسار و التحسر
على أيام العمر المعذبة
قلت ما أوجع زمن النهايات و ما أوجعني
و قد فتشت بكل الهواء و كل جسدي علي أجد
أثراً لقبلة قديمة لتؤنس خيبتي
لا أشياء أخرى بعد هذا الغياب ثم رجعت
للوراء
و جلست على كرسي الخشبي لأجمع بشتاتي
من الضياع الطويل
و قرأت فصلاً كاملاً من شعرٍ حزين لشعراءٍ
قدماء
فلم أدرك ما الفرق بين لغتين و وجهتين و
إنكسارين في روحٍ واحدة
و قلت لمسائي الخاسر لا تبكي معي يا أيها
المساء المتحجر فتندم فهي
لن تأتي
تلك التي أجهدت بقلبي وجعاً و بروح عاشقين
كانا يرسمان حلمهما هناك بزمن
البدايات
رحلت و تركت بكل أشيائها ناقصة المعنى هنا
و نسيت كل ألوانها معي
فيا أيها البعيد المطل على شغب الأوجاع
لا تحتكر كل موتي لنفسك و لوحدك
دع قليلاً من بقاياي في زجاجة الخمر و ارمي
بها في نهراً لا يتوقف في الهروب
فأنا سأعيد بترتيب ما ينقصني من فراغ
الوحدة
الآن أنا بحاجة إلى إعادة النظر بهيكلة الوقت
مع اللاوقت بعد هذا الإنحسار في
الحجر
أفكر أن أحضر لنفسي فنجان قهوة فأتلذذ
بمرارها
و أنا أسمع لماجدة الرومي و هي تقول
يأخذني من ذراعي و يزرعني بإحدى الغيمات
ثم ترجع و تقولُ
لا شيء معي و أنا أرجع لطاولتي إلا كلمات
لكن كلماتٍ ليست كالكلمات
و ربما سأنفخ من إحتراقي بدخان السجائر
سحاباً و نار من بقايا الإنتحار
لا لا
لا أحدٌ يفكر الآن في الإنتحار على أريكتها
مع الوقت الذي دونَ أسمائنا في
الغياب
فليس للمقتول هنا وقت لكي يتقاسمه مع
ظله بليلة العدم
و لن أكتب بمذكراتي ما يهدني عن إمرأة
ذهبت مع الريح
فهي لا تستحق قصيدةً حتى و لو كانت
قصيدةً
تشبه شكل التراجع عن حدود الكلام و عن
رغبات الأمنيات
فكل الكلام قد نعى بذاته البديل و أمدغ
بالحنين بسيرة الحرمان
فقد تنحى كل الكلام عن الكلام و انكسرت
المبادئ
فراح ذاك الشاعر البريء بذنب القصيدة
يقلد المقلد بالأوحاع
و القصيدة هي مقبرة الحائرين لا روح فيها
فصارت حجراً و كثيرة النسيان
و لم تعد تحفظ أسماء الراحلين من أجزائها
الأخيرة
فهي باتت قديمةٍ بعد الشيء و غير مفهومة
بالعبارات و بالرموز
لأنها خالية من كل المواعيد فهي تعود بتاريخها
إلى العصور الحجري
حيث لا مكان للعشاق و للكلام هناك كي يرتبوا
من الحب شكله القديم
فمن بقي هناك يلف بظله بقي هناك بلا وعدٍ
حيث لا يلتقون
و من منهم قد مات معي هناك مات هناك
بحسرته و بوجعه من الإنتظار
و الأنتظار هو حصتي من الحياة بقرب الموت
فهو لغز المنكسرين و هو طريقي الوحيد
لذات المكان مكان الوداع
فهو وجعٌ من نوع آخر و مغايراً تماماً عن واقعنا
فهو مطرزٌ على جدار اليأس ذاته بذاتي
فهو لا يحن لأحد و لا يلين بجرح
أحد
فتوجعت على آخري الشخصي تعال لأحضنك
قلت له
فأمسكت بيديه بحذر شديد و أخذته لفراشي
نومي نم يا حبيبي و لا تفكر بيومك
المكسور
فغداً سيطل يوم جديد و غداً سوف تشرق
الشمس من جديد
و سنرى غداً وجوهٍ جديدة غير التي كسرتنا
بالأماني و إعتدنا عليها
نام آخري و هو يحلم بأن يعود في الصباح
إلى حلمه القديم
فأغلقت الباب عليه بهدوء و عدت لطاولتي
أجمع بأوراقي البيضاء لا سر في جسدي
أمام هذا الليل
سوى ما خسرت و ما ودعت من لحظات
بدلت بذاتها و بشكلها
و قلت لنفسي قد تأخر الوقت و إقترب الغسق
البعيد ليحمل بجسد الليل للبعيد
فإخلد لنومك يا أناي قبل أن تخسر المنام
كله معي
و فجأةً تذكرت بأني أدخلت شخصاً غريباً
لغرفة نومي
فمن هو هذا الشخص الغريب قلت لنفسي
ثم إعتذرت من نفسي
لقد نسيتك فإدخل غرفتك لكي تسلم من
غيابي
إذهب إلى ذات الفراش فراسك القديم و لذات
الجسد النائم بفراشك الحجري
و تقاسم مع آخركَ المنسي المضيء بحلمه
البعيد البعيد
تقاسم معه بمنامك المؤجل البطيء و شاركه
كل أوجاع الغياب على درب الصباح
و تقاسم معه كل أشيائه الصغيرة في التفاصيل
و شِعرهُ الذاتي عن زمن الخذلان
و خفف عنه كل أشيائه الكبيرة و كل
العذاب
قل للمستحيلِ نم فينا يا أيها المستحيلُ قليلاً
حتى نستوعب كل أوجاعنا
و لا تقرأ يا أيها الخائب مثل الريح من قصيدة
أناياي المدفون في الهلاك
أو ما يشبه الموت في شعره المكسر بالكلمات
فيصيبك الإحباط من البكاء
فإني أخاف عليك من التعب و الفشل و أنت
تجمل الكلمات بالنسيان
رافقه جيداً و هو يسير على درب الأحلام
هناك
فعلكَ تحيا معه و تنسى إساءة من كسروك
و أنت تحمل معي
ذات الأسم و شامته برقبته و ذات الملامح
و ظله المقطوع لوجهتين مختلفين فلا
تتعثر به أكثر
فأن شكلك يا من ودع حبه هناك و عشقه
يوحي لنا من البعيد
بأن شكله يشبه شكلك بصورتي و شكله يشبه
شكلي و شكلك بشكله يشبه شكله
القديم
فكل الأشياء بيننا هي تدل علينا بوجع الإنكسار
في مرآة من إنتظروا وهماً هناك
فلا تنم وحدك هناك في الهزيمة الكبرى يا صاحبي
أمام هذا الليل الطويل
فالليل يا صاحبي لم ينجو مثلنا من الهزيمة
و الليل هو طريق الساهرين الوحيد إلى
مقبرة الذكريات
فلا تعد من جنازتي بالخيبة من جسد العذاب
إلى جنازتي
لتقول أنا أنتَ و أنتَ هو أناياي فلا تعيد بما
يهدنا بالمسألة
و لا تكرر الخطأ ذاته مثلي بحياة العذاب بتلك
المهزلة التي تسمى بالحنين
فترجع من جسدكَ إلى جسد المقتول الذي
فقد شهيته على درب الحياة
البعيدة ........
ابن حنيفة العفريني
مصطفى محمد كبار 2025/6/4
حلب سوريا