أمكِ ، حينها حملتكِ بين ذراعي ، وشيئاً فشيئاً ذبتِ في أعماقي كقطعةٍ محلاةٍ بالسُكر . كنتُ أرعاكِ بحناني وأراكِ تقتحمين قلبي يوماً بعد آخر ، و تتعرشين على مساحاتهِ . لم يكن يجرؤ أحدٌ على الدنو منكِ بمثولي كما كنتِ تنجين غالباً من الحمام لائذةً خلف ظهري ، فأمكِ بثينة كانت تشفقُ عليَّ فلا تأخذكِ عنوةً ، فهي تعلمُ إذا بكيتِ فقلبي سيتحطم . . رحمها الله كانت كإبنتي عكس زوجة أبيكِ . .
تنفستُ بعمقٍ منسلةً إلى فناء الدار ، وكأنَّ جدتي خبطت ذاكرتي التي أخذت تشتعلُ بشكلٍ خطير يهددني بالاندثار في متاهات الماضي ، فليمونة هذه لم تكن غريبةً عن منزلنا الذي اقتحمتهُ بذريعة أنها لاجئةٌ عراقيةٌ فرت أيام الحرب على العراق ، وأنَّها مكلومةٌ تحتاج إلى المساندة كي تعيل أبناءها ، لأن زوجها مبتور الساقين لا يستطيعُ إعالة أسرته بعد إصابته في الحرب ، كما أن أبي انغمس فيها فهي كالعادة تسحرُ الناس بحديثها . وبعد ذرف الدموع والإدعاء بأنَّها متدينةٌ عفيفة النفس والشكوى لله ، وأتذكرُ انجذاب أمي الكبير إليها فقد كانت مرهفة
الصفحة - 47 -
رواية ابنة الشمس*
الروائية أمل شيخموس
الأحاسيس أشفقت عليها كثيراً بكل طاقتها حتى تحول التعاطفُ إلى معزةٍ ، لذا أضحت من أعز معارف أهلي حيثُ غدت تدخلُ المنزل كصديقةٍ وليست كلاجئةٍ متشردةٍ ومع مرور الزمن توطدت العلاقةُ بينها وبين أمي و أبي ، فقد أخذت تصطحبُ كل أفراد أسرتها معها ماعدا زوجها ، ويبيتون عندنا بالليالي وعند ذهابهم كانت أمي تُحملُهم " بالمونة " ، وكان والدي يُسَرُ لرؤيتها لأنها بارعةُ الإغراء و التمثيل ، فأخذ يغدق عليها النقود بحجة الزكاة والصدقة ، ولم يكتفِ أبوايَ بذلك فحسب بل راحا يفسران مأزقها لأقربائنا الذين كانوا يتعاطفون مع وضعها فيمدونها بالزكاة والثياب . . والمهم أنها غدت تترددُ عليهم أيضاً و كسبتهم في صفها بجدارةٍ ودهاء ، و أتذكرُ المرة الأخيرة من زيارتها لنا عندما كانت أمي على فراش الموت إنها أقامت عندنا ثلاثة أيامٍ بلياليها بحجة مواساتنا في محنتنا وأن أمي تعزُ عليها . كنتُ آنها في الثانية عشرة من عمري وقد انقطعتُ حينها عن المدرسة أسبوعاً كاملاً بسبب الظروف الشائكة التي كانت تمرُ بها عائلتي ، وليمونة لم تكن تُزيحُ عن كتفي شيئاً من أعباء
الصفحة - 48 -
رواية ابنة الشمس*
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق