الأربعاء، 22 ديسمبر 2021

النغم والمقام بقلم عبد الغني العمري الحسني

نحن نلاحظ أن استعمال المصطلحات في مجال الموسيقى، يحتاج إلى إعادة ضبط، خصوصا في اللغة العربية؛ حتى توافق تلك المصطلحات دلالاتها الأصلية. ولعل كلمة "Gamme" الإفرنجية جاءت من كلمة "مقام" العربية، وإن كانت الدلالة في المقام الذي هو اسم مكان من فعل "قام"، تخالف الدلالة من كلمة "scale" الإنجليزية، التي تعني التسلسل المتدرج الذي يكون في الشيء ذي الطبيعة الواحدة، والذي يوافق معنى "السلّم" عندنا.

       وإن دلالة المقام بهذا الاعتبار، تعتبِر درجة الارتكاز (tone)، كما هو الحال في معنى "scale" نفسه، والذي لا بد أن يبدأ بدرجة أساس. فنحن نقول بحسب التعبير الغربي -مثلا-: مقام عجم المي بيمول، ونعني أن درجة الارتكاز للسلم هي "المي بيمول"، وأن "العجم"، لا يدل على المقام بالمعنى المذكور، ولكن على النغم المرتكز على مي بيمول؛ وهذا هو ما يجعلنا نفرق في الاصطلاح بين "المقام"، و"النغم". وهكذا تكون الموسيقى الغربية مشتملة على نغميْن -كما هو معلوم- هما: "العجم" (Major scale)، و"النهاوند" (Minor scale). وأما مقامات الموسيقى الغربية، فهي النغمان العجم والنهاوند مصوران على جميع درجات الارتكاز الممكنة، والتي هي درجات السلم الطبيعية، التي تمثل المجسات البيضاء على البيانو، والدرجات المحولة (altered notes) والتي تمثل المجسات السوداء. وهذا يجعل المقامات في الموسيقى الغربية في النهاية، تطبيقا لما تعطيه النظريات بالتمام.

       وعلى هذا فإن "النغم" هو ما يقابل كلمة "mode" في الموسيقى الغربية، وهو معنى غير معنى المقام بلا شك. والنغم قد يطلق في اللغة على الغمغمة التي هي الكلام الخافت غير المفهوم. وهذا يعني أن النغم بهذا المعنى، يكون خلفية في المقام كما عرفناه في الفقرة السابقة. وبخلاف الموسيقى الغربية، فإن الموسيقى الشرقية (العربية) لها أنغام عديدة، تختلف باختلاف أبعاد السُّلّم المعتمدة في النغم المخصوص. وأما إن اعتبرنا أن درجات الارتكاز للمقامات، ستكون بعدد درجات ارتكاز المقامات الغربية، وتزيد عليها بدرجات أرباع الصوت كلها التي تمتاز بها عنها، فإن عدد المقامات عندئذ سيكون هائلا!... وهذا من الناحية النظرية الصرف، لا من الناحية العملية؛ لأن اتخاذ درجات الارتكاز من كل أرباع الصوت، سيجعل المقامات مشتتة وكثيرة العدد، يصعب التقاء الناس عليها، ويصعّب من إدراك أبعادها الوجدانية التي ينبغي أن تكون مشتركة، ولو بقدر ما...

       ولندخل الآن في التطبيقات، لنعلم بوضوح ما مر:

- إذا علمنا أن أبعاد نغم العجم هي: [بعد، بعد، نصف بعد، بعد، بعد، بعد، نصف بعد]؛ وعلمنا أن أبعاد نغم النهاوند هي: [بعد، نصف بعد، بعد، بعد، نصف بعد، بعد، بعد]؛ فإننا سنعلم المقام المراد بعد ذلك، بالنظر إلى درجة الارتكاز، ثم باتباع النسق المذكور انطلاقا منها. وهكذا سيكون عندنا الاختلاف بين المقامات في درجات الارتكاز والنغم المـُختار. فنقول -مثلا- عجم على الدو، كما نقول عجم على سي بيمول أو عجم على فا دييز؛ كما نقول: نهاوند على ري، أو نهاوند على سي، وهكذا... كل هذا فيما يعود للموسيقى الغربية، أو فيما يعود إلى نغمي العجم والنهاوند وحدهما، من الموسيقى العربية...

- إذا اعتبرنا أن النغم، هو كاللون بالنظر إلى الموسيقى، خصوصا إن قابلنا درجات السلم السبع بألوان الطيف السبعة، فإننا سنجد الموسيقى الغربية بين الأبيض والأسود، عند دخولهما على ألوان الطيف؛ لذلك يُقال عادة أن العجم يُستعمل في الموسيقى المرحة، وأن النهاوند يُستعمل في الموسيقى الحزينة. غير أن هذا القول سطحي جدا، ويُقال عادة للطلبة في الدروس الأولى، من أجل تقريب الأمور إليهم؛ وإلا فإنه ستبقى مشاعر كثيرة، خارج هذا التعريف كالخوف والترقب وعدم الارتياح والغضب، وغير ذلك... هذا، وإن النغم -كما أسلفنا- يتغير لونه بتغيّر درجات الارتكاز، مرة بعد الأخرى؛ وإلا فما كان الباعث للمؤلفين والملحنين، على تغيير المقامات!...

- أما في الموسيقى العربية، فإننا سنضرب أمثلة على الأنغام الزائدة على ما عرفناه في الموسيقى الغربية بنغميْن شائعيْن، هما الراست والحجاز. واخترنا الأول لاشتماله على ربع التون، بينما اخترنا الثاني بسبب عدم اشتماله عليه، مما يجعله قريبا من منطق الموسيقى الغربية، حتى يتضح الفرق في التوظيف. وهكذا، فإن سلم الراست يكون على هذه الصورة: [بعد، ثلاثة أرباع البعد، ثلاثة أرباع البعد، بعد، بعد، ثلاثة أرباع البعد، ثلاثة أرباع البعد.]. وأما سلم الحجاز فأبعاده: [نصف بعد، بعد ونصف، نصف بعد، بعد، نصف بعد، بعد، بعد.]. فإن طبقنا نظريا الأبعاد على كل درجات الارتكاز الممكنة، فإننا سنجد -مثلا- مقام الراست -زيادة على الراست على دو الشهير- يُمكن أن يكون على مي نصف بيمول، أو على فا نصف دييز، وهكذا... وهذا الصنف من المقامات مهمل من الناحية التطبيقية؛ إلا فيما ندر. وهذا لصعوبة التصوير أحيانا، ولخروج التعبير الموسيقي به عن المألوف، وما تحتمله ثقافة الشعوب. وأما الحجاز، فيمكن تطبيقه على كل درجات الارتكاز المعروفة في العجم والنهاوند، على تفاوت في شيوع الاستعمال. فمثلا نجد الحجاز على لا، أو الحجاز على ري من أكثر المقامات استعمالا بسبب سهولة العزف على الآلات الشرقية (كمان وعود)، ونجده على دو دييز مهملا للسبب ذاته المشار إليه آنفا، فيما خص الأنغام ذات ربع التون. هذا وإن كان التصوير -خصوصا فيما يتعلق بالأجناس (tetrachords)، وعند الانتقالات بين المقامات المتجاورة- ينفتح على كل الأنغام المقبولة نظريا، وهو متاح جدا، بحسب خبرة الموسيقي نظريا وعمليا؛ وهو مجال واسع لمن كان مبدعا في التلحين. ونعني من هذا، أن الملحن بدل أن يتنقل من مقام أصلي إلى مقام مجاور كما هي العادة، فإنه يمكن أن ينتقل إلى أي مقام يريده، مهما كان بعيدا؛ بشرط إجادة توظيف الأجناس (مثال: مرور محمد عبد الوهاب من السيكا البلدي إلى العجم، بالراست، في كلمة "وصال"، من عجز البيت: "يُبدون صدا ولكن *** هم يضمرون وصالي"، من قصيدة "سهرت منه الليالي" (1935م)). والأمثلة كثيرة في الغناء العربي، وفي الإنشاد الديني وفي تجويد القرآن... وسنعود إلى عبد الوهاب وطريقة تلحينه للقصيدة العربية، في مقارنة بين قديمه وأواخر إنتاجه، في مقال مستقل بإذن الله...

       وإذا عرفنا أن النغم في الموسيقى الغربية، هو ميل إلى البياض أو إلى السواد في الدرجات اللونية السبع (من الفاتح إلى الداكن)، فإننا سنعرف أن اللونية الصابغة في الموسيقى العربية أكثر تنوعا بكثير؛ وهي كإدخال البني والأرجواني والزمردي وغيرها من الألوان المركبة، التي لا تكاد تنتهي... والنفس عند سماع كل مقام (نغم + درجة ارتكاز) ينبغي أن تتلون بلون وجداني مخصوص، وإلا فهي قاصرة في إدراكها. وإذا عرفنا أن الأنغام في الموسيقى الشرقية قد يبلغ الشائع منها العشرات (الأساس منها زيادة على ما ذكرنا: البيات والسيكا والكرد والصبا النوى أثر، بالإضافة إلى كل فروعها)، وتصورنا لكل نغم لونا وجدانيا خاصا، يتعدد بتعدد درجات الارتكاز أيضا، فإننا سنعرف سعة الموسيقى الشرقية بالمقارنة إلى نظيرتها الغربية... ولعل سعة الألوان الوجدانية في الموسيقى الشرقية، هي ما ساعد على التركيز على اللحن، دون التوزيع الهارموني؛ وكأن هذا الأخير، إنما وُجد ليزيد في مساحة التعبير في الموسيقى الغربية وحدها. غير أن الموسيقى الشرقية تكون ذات بعد واحد أفقي في ذلك، أما الغربية، فهي ذات بعديْن: أفقي وعمودي. وعلى كل حال، فإن اعتبار اللحن، أو اعتبار النسيج الهارموني، من غير شك يدخل في فلسفة الموسيقى ذاتها، إن كانت شرقية أو كانت غربية؛ ثم ينضاف إلى هذا كله شيوع الاستعمال، وإلف الأذن لأنغام مخصوصة وأساليب مخصوصة؛ وهو ما يندرج ضمن الثقافة العامة لأي شعب من الشعوب...

       أما من الناحية المعنوية، فإن درجة الارتكاز هي المقابِلة للمقام بالمعنى الصوفي؛ والنغم هو المقابل للحال. ونعني بالحال هنا، انصباغ الباطن بمعنى مخصوص؛ ولا نعني الحال الذي يصير مقاما عند رسوخه. وهذا لأن هذه المعاني تختلف فيما بين المراتب، وتختلف فيما بين المتحققين من العارفين. وهذا الذي نذكره هنا، لم نجد من فصله من السابقين بهذا الوضوح؛ وإنما أبقوا على المعنى العام للحال وللمقام، كما هما معلومان لكل دارس للتصوف...

       ويبقى لنا أن نسأل بعدُ: كيف يكون ذوق المقامات الموسيقية لأهل الكمال؟ هل يكون ذلك على النمط ذاته الذي لغيرهم من الناس، أم لهم خصوصية بها يمتازون عن ذلك الغير؟... فنقول: أهل الكمال، ينقسمون إلى قسميْن: أهل تقييد في الكمال، وأهل إطلاق. فأما أهل التقييد، فهم على أكمل ذوق للمقامات، لكن من دون مجاوزة للأعراف والثقافات. وأما أهل الإطلاق، فإن لهم أذواقا في كل ما يسمعون؛ حتى وإن اعتُبر ذلك نشازا عند غيرهم. ونعني هنا، أن لهم ذوقا في النشاز، يختلف عنه لدى السرياليين والمجرِّدين من الموسيقيين أنفسهم. وبما أن النشاز ناشئ في الأصل عن التنافر، فإنه ينبغي أن نقول: إن أهل الإطلاق لا يجدون تنافرا بالمعنى المعروف؛ بل يجدون توافقات عامة تخضع للذوق العام، ويجدون توافقات خاصة، لا يعلمها إلا الخواص أو تكون غريبة. وهذا يقودنا إلى الكلام عن الجمال والقبح في الموسيقى، ثم إلى الكلام عن الجمال المقيد والجمال المطلق، في مقابل ثنائية الجمال والقبح العامة في العالم. وسنترك الخوض في ذلك، لأنه سيخرج بنا عن غرض المقال...

       ومع أن كل ما ذكرناه معروف لأهله من جهة المعنى والباطن، فإننا سنجد في المقابل الموسيقيين الذين لا يتجاوزون المحسوس، لا يكادون يقبلون من الأصناف الموسيقية إلا ما هو شائع في ثقافتهم، ويُنكرون في المقابل ما يخرج عن تلك الثقافة؛ بل قد يسخرون منه ويتنقصونه. ولنأخذ مثالا على ذلك، أحد الموسيقيين الغربيين المتمكنين، عند سماعه للموسيقى الشرقية (العربية)؛ فهو في الغالب لن يُطيقها، وسيجدها سلسلة من النشازات، بحيث تكون مؤلمة له؛ وسيعتبر أهلها أقواما متخلفين، لم يبلغوا في رقيّهم ما بلغه هو وقومه بمنطقهم الموسيقي. ومن هنا يمكن أن نقول بنسبية تذوق الموسيقى، ونقول أيضا بإمكان جعل الموسيقى وسيلة لتعذيب من يُراد تعذيبه، عند إسماعه ما يُخالف مـُعتاده. وهذه الوسيلة، قد تبلغ بالمـُعذَّب درجة الجنون، لشدة المنافرة التي يجدها في سمعه (عقله).

       ولا شك أن بعض الدارسين للموسيقى، سيجدون كلامنا مخالفا لما درسوه؛ لكون دراستهم إنما كانت تأخذ المصطلحات بدلالات تطبيقية، أكثر منها فلسفية؛ أي لا على ما هو معنوي وتطبيقي معا. وهذا هو ما يجعل التعدد النغمي عند قوم غائبا، حين اقتصروا على المقام والدرجات بحسبهم. وقد نجد منهم من يسمي الدرجة من السلم نغمة، وهكذا... وإن نحن عدنا إلى المصطلحات الأندلسية، فإننا سنجد "النوبة" التي هي بمعنى المقام لحنا وغناء، مع التعديد؛ لذلك فهي أوسع في الدلالة اللغوية مما كنا بصدده. ومعنى النوبة دال على اختلاف الأحوال عند السماع ضمنيا، من التناوب الذي يكون للأحوال وتحولها. لذلك كانت تـُقصد النوبات في الموسيقى الأندلسية (كنظيرتها الهندية) لما يُناسبها من الأغراض، بحسب ساعات الليل والنهار. ولعل أفضل اصطلاح يعبر عن المقام بالمعنى الذي ذكرناه نحن من الموسيقى الأندلسية أيضا، هو "الطبع"؛ ودلالته عند اعتبار الباطن، واضحة جدا، وإن كان لا يختلف عن معنى النوبة. وقد تختلف الإطلاقات الأندلسية أحيانا، بين بلد وبلد، بحسب المدرسة لا غير، وذلك كاختلافها ما بين الدول المغاربية الموزعة بين مدارس إشبيلية وغرناطة وبلنسية؛ لذلك فالعبرة بالمعنى والمعمول به، لا بالمصطلح وحده. ولعلنا سنعود إلى الموسيقى الأندلسية بتفصيل أكثر في مقال آخر. وعلى كل حال، فنحن بهذا المقال، إنما أردنا فتح أبواب في مجال الموسيقى ربما كانت غير متنبَّه إليها من قِبل الدارسين. وأما الكلام في التفاصيل، فيبقى أوسع مما تحتمله العبارة، أو يحصره العد والإحصاء!...
_____________________________________________________
▪️◾جديد⁦⁩⁦◾⁩▪️
موقع العمرية للتجديد الصوفي - قسم موسيقى / النغم والمقام.
بقلم الإمام العالم بالله المجدد الشيخ سيدي عبد الغني العمري الحسني حفظه الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

بوح الروح لطيفك بقلم عيسى نجيب حداد

بوح الروح لطيفك استهلتني بالقبل شفتاك لم تمهلني لفزعة محتواك بت أغدو على مشارف سقياك الثم من فوق الشفاه رقة محياك أنا طير مهاجر أترزق بالهجر...