بسم الله الرحمن الرحيم
مقال بعنوان
( القرآن مجرد عن التاريخ ولا سقف لاحتمالات فهمه )
لقد تأسس لدينا من خلال ما قدمناه في مقالات سابقة أن اللغة والتفكير يرتبطان ارتباطا وثيقا لا ينفك أحدهما عن الاخر ابدا وأنهما يشكلان معا القالب الإنساني لدى المخلوق البشري فحالة الأنسنة في الكائن البشري تتمثل بالانتقال والتطور الذي طرأ عليه وانتقل به من حالته البشرية البدائية إلى حالته الإنسانية المطورة التي أوجدت أصلا لتحميله المهام والمقاصد المتعلقة بجعله خليفة في الأرض قال تعالى : ﴿ وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ إِنِّی جَاعِلࣱ فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةࣰۖ ﴾ [البقرة ٣٠] وبطبيعة الحال فإن هذه الخلافة تحتاج لمقومات التكليف الذاتي المبني أساسا على أدوات تواصل ومعرفة وبيان ترتكز كلها على العقل المفكر المعبر عن تفكيره لغويا وهذا ما تميز به آدم وهذا هو التطوير الذي جهلته الملائكة وهذا الذي كانوا لا يعلمونه عندما قالوا : ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖقَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة ٣0] وعندما نقول المعبر عن تفكيره لغويا فإننا نقصد جملة العمليات العقلية ( من ملاحظة واستشعار وربط واستنتاج ومحاكاة ومحاكمات ) التي يقوم بها العقل والتي لا يستطيع أن يمارسها ويتداولها ذاتيا أو غير ذاتيا بدون لغة بل لا يمكن أن تكون الفكرة أوالتفكير إلا من خلال اللغة وهذا بالضبط ما يتح ويشرح لنا كيفية قراءة المدخلات والمخرجات التي يتعرض لها العقل الإنساني في كل لحظة حيث أن كل ما يراه العقل ويلاحظه أو يستشعره أو يدركه في محاكاته ومحاكماته يمثل عاملا مدخلا إليه من خلال إحدى أدوات الادراك ضمن عمليات الادراك الحسية أو المجردة وهذا الادخال لابد له من توثيق لغوي ( اسم ) يعبر عن المفهوم العقلي للمدركات المحسوسة أو المجردة وكذلك هي ( المخرجات ) المتمثلة بالأحكام والاستنتاجات والانطباعات التي صدرت عن العقل على شكل قوانين ومفاهيم وانطباعات معرفيه يتولد عنها أفعال وردود أفعال فإنها أيضا لا تكون إلا من خلال التوثيق اللغوي العقلي أولا ثم أطلاقها عبر وسائل التواصل كالنطق والخط وغيرها وبهذا نستطيع أن نقول أن أولى العمليات العقلية التي تمهد لعملية التفكير ( المدخلات والمخرجات ) هي تحويل المحسوسات والمدركات إلى لغة ضمن دلالاتها التي تحقق الغرض منها لأن الانسان لا يستطيع أن يفكر في شيء دون أن يتلفظ به في عقله أثناء عملية التفكير بل يستحيل على الانسان أن يفكر في شيء دون أن يتلفظ به في عقله فهو عندما يرى الشمس مباشرة يراها بحواسه ويدركها بعقله مع إعطائها اسم لغويا يعبر عنها بذات الوقت فهو يراها حسيا ونستطيع ان نقول أنه يراها لغويا وهذا ينطبق على كل شيء بالتأكيد وفي حقيقة الامر إن كل ما يدور حول الانسان من مخلوقات وأكوان وعوالم وظواهر وحركات وسكون إنما هي في حقيقتها تمضي بموازين وقوانين ومقادير كونية ربانية قبل خلق الانسان وبدون مسميات لغوية لأننا قلنا أن اللغة مرتبطة بالتفكير والتفكير مرتبط بالعقل والعقل وهب للإنسان ليقيم تكاليف الخلافة وآليه تفكير عقل الانسان مرتبط باللغة وبالتالي فإن هذه المسميات مرتبطة بالإنسان ولا يحتاجها غيره وإدراك الانسان لما هو حوله مرتبط بعقله ضمن عمليات التفكير المرتبط ارتباطا وثيقا باللغة قال تعالى : ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلۡأَسۡمَاۤءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمۡ عَلَى ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِی بِأَسۡمَاۤءِ هَـٰۤؤُلَاۤءِ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ ﴾ [البقرة ٣1] لذا تم إيراد القوانين الكونية وكل ما يجري حولنا في القرآن ضمن مفاهيم مصاغة لغويا لتشكل مدخلات مفهومة ومقروءة ضمن إمكانيات العقل الإنساني والذي بدوره سيخضعها لعمليات التفكير العقلي بالمفاهيم اللغوية الخاصة به والمرتبطة بلغة القرآن ﴿صۤۚ وَٱلۡقُرۡءَانِ ذِی ٱلذِّكۡرِ ﴾ [ص ١] والذكر هنا صفة للقرآن وهو التعبير الحقيقي والدقيق الذي يوضح كيفية جعل القرآن منطوقا بالصياغة اللغوية الإنسانية بمعنى هذه القوانين الكونية التي قامت قبل خلق الانسان وبدون لغة قد حولت إلى صياغة لغوية منطوقة في القرآن ليتمكن الانسان من فهمها والتفكر بها واكتشافها واكتشاف قوانينها وعلومها وقد تأكد لدينا أن التفكير واللغة تخضعان لعوامل التطور والتغير خضوعا لازما لا محال وأن دلالات المفردات اللغوية تخضع لهذا التغير أيضا وعليه سيتبادر لأذهاننا سؤال مهم جدا وهو : هل دلالات مفردات اللغة في القرآن ثابتة كثبات النص القرآني ولا تتغير أم من الممكن أن تتطور ويطرأ عليها التغير من حيث وضوح المعنى وشمولية أو تطور الدلالة ؟ إن الإجابة على هذا السؤال تلزمنا أن نضع خيارين لا ثالث لهما :
- إما أن يكون النص والمعنى الدلالي في حالة ثبات أبدي وهذا يضعنا أيضا أمام خيارين :
الأول : إذا كانت المعاني الدلالية للالفاظ اللغوية تقتصر على فهم الجيل الأول فهذا سيسبب جمودا معرفيا وتحجرا فكريا ويشدنا دائما لمفاهيم قامت قبل قرون عديدة وهذا ما سيجعل القرآن مجرد كتاب أو وثيقة تاريخية لا يصلح لزماننا والعياذ بالله وهذا حال التوراة فيما يخص الحقائق والمعارف الكونية الثاني : أن تكون المعاني الدلالية للالفاظ اللغوية تناسب فهمنا وهذا سيجعل الجيل الأول بمعزل عن فهم الحقائق الكونية العلمية والمعرفية آنذاك وسيجعلنا نحن كذلك بالنسبة لمن سيأتي من بعدنا
- أو أن يكون النص ثابتا لكن معاني ودلالات اللغة في القرآن قابلة للتطور حسب تطور التفكير الإنساني
وهذا ما يجعله صالحا لكل زمان ومكان وهذا ما يعطيه صفة الهيمنة والشمولية والعالمية وبالتالي هذا ما يؤكد على أنه معجزة النبي محمد عليه الصلاة والسلام لذا نحب أن نؤكد أن للقرآن صفة لازمة له هي ثبات النص وحركية المعنى وأنه مجرد عن التاريخ بكل عوامله ومفاهيمه ولا يخضع له بل هو حيوي بكل ما تحمل الكلمة من معنى كما أن سقف احتمالات فهمه بالنسبة للإنسان ممتد إلى قيام الساعة
كتبه
راجي عفو ربه
إبراهيم بن عبد العزيز بن رشيد الزعبي
مكة المكرمة
07/05/1443
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق