أسطورة الشاعر الجاهلي عبيدة الأبرص و الثعبان العملاق .. واحدة من أجمل الأساطير العربية ..
الأساطير موجوده لدى كل أمم و شعوب الأرض .. لكن الأساطير العربية تمتاز برونق خاص .. ذلك أنها أساطير تمتزج بالشعر الجميل .. فهي أشبه الى تحفه أدبية لا تستطيع أن تميز الواقع منها من الخيال ..
من المعروف أن لدى العرب القدماء في الجاهلية قصص كثيرة مع الجن .. ومن المعروف أن أشهر شعراء العرب أمثال إمرؤ القيس و الأعشى و تأبط شراً لهم قصائد تروي قصص حدثت لهم مع الجن .. بل حتى حسان بن ثابت شاعر الرسول كان يقول أن له صديق من الجن ..
الجن في حد ذاته موضوع أشبه الى الخرافه و الخيال .. لكنه موضوع موجود في كل الحضارات و في كل الأديان .. فالأديان السماوية و منها الإسلام و القرآن يؤكدون على حقيقة وجود الجن .. وليس شعراء الجاهلية فقط !!!
موضوع قصتنا اليوم عن شاعر جاهلي اسمه عبيدة الأبرص وحادثه مثيرة حصلت له مع الجن وثقها الشعر و الأدب العربي ..
عبيدة الأبرص كان شاعر جاهلي .. وكان في أحد المرات مسافراً في قافله كبيرة الى اليمن .. وفي أحد الأيام وهم في الصحراء حدث إرتباك و دبت الفوضى في القافله .. وكان عبيدة في نهاية القافلة .. فتقدم الى أمام القافله ليعرف ماذا يجري .. فعندما وصل الى مقدمة القافلة شاهد شجاع ضخم جداً .. والشجاع هو من أسماء ذكر الأفاعي العملاقة ..
فكان هذا الشجاع كبير و ضخم جدا ويصدر صوت يشبه خواء البعير .. فخاف الناس في القافلة و إرتبكو و تراجعو .. وكان يلحق بهم هذا الشجاع ( الأفعى العملاقة ) ويخور فاتحاً فمه العملاق أمام الناس .. والناس تهرب منه .. فغيروا مسار القافله واتجهوا هرباً منه الى طريق آخر ..
وبعد أن غيرت القافلة مسارها اختفى هذا الشجاع العملاق و عاد الأمر طبيعي ..
وفي اليوم الثاني وقفت القافله مجددا و ارتبكت الناس .. فسأل عبيدة عن القصة فقالوا له أن الشجاع العملاق لحق بهم مجدداً ..
فقال عبيدة للناس أليس فيكم شجاعاً يواجه هذا الشجاع ويقتله !!!
لكنه شاهد الخوف في عيونهم .. فخرج عبيدة بنفسه ليقتل هذه الأفعى العملاقة ..
فخرج عبيدة الى الأفعى سالاً سيفه وكان يحمل معه قربة ماء .. والأفعى التي كانت تخور و تصدر صوت مخيف سكتت تماما عندما شاهدت عبيدة يقترب منها بسيفه .. فإعتقد عبيدة انه الهدوء الذي يسبق العاصفه وأنها سوف تقفز و تنقض عليه في أي لحظة الآن .. فنظرت اليه الأفعى وفتحت فمها .. فأيقن عبيدة أن هذه الأفعى مسالمة لكنها عطشه و العطش يكاد يفتك بها في هذه الصحراء القاحله .. ولهذا السبب كانت تلحق بالقافلة طالبة منهم أن يسقوها الماء ..
فإختار عبيدة الحل الأمثل .. أن يسقيها بدلاً من أن يقتلها بالسيف .. فإقترب منها وصب الماء الذي كان يحمله في قربته في فم الأفعى
صب عبيدة الماء في فم الأفعى و روى عطشها فذهبت الأفعى مبتعده عنهم و اختفت في الرمال ..
رجعت القافله الى مسارها الطبيعي و سارت يومين في سلام .. في ليل اليوم الثالث عبيدة نام بعيداً عن قافلته قليلاً .. جاء الصباح و مشت القافلة ونسى الناس عبيدة وهو نائم خلفهم ..
وعندما صحى عبيدة من النوم وجد ان القافله قد ذهبت .. حاول اللحاق بهم لكنه أضاعهم في الصحراء ولم يجد لهم أثر .. فقد اختفت القافله ..
وجد عبيدة نفسه وحيداً في الصحراء فخاف و إضطرب .. وفي لحظات إضطرابه و خوفه سمع صوتاً في الصحراء يقول له :
يا أيها الشخص الوحيد في الصحراء .. الذي أضاع قافلته
ما لك من أثر لتتبعه .. فخذ منا هذا الجمل لتركبه
حتى اذا ما الليل زاغ غيغبه .. عند الصباح في الفلات سيبه
يقول عبيدة فعندما سمعت هذا الصوت من الصحراء فنظرت حولي فوجدت جمل يمشي نحوي .. فركب عبيدة هذا الجمل الذي جاء مع الصوت الغريب .. ومشى به الجمل في الصحراء حتى الليل .. وعندما طلع الصبح عليه وجد قافلته التي أضاعها في الأمس .. فوقف الجمل فعلم عبيدة أن الجمل انتهت مهمته هنا بأن أعاده سالماً الى قافلته .. فترك الجمل عند الصباح كما قال له الصوت ..
فقال عبيدة للجمل :
أيا أيها الجمل الذي انجيتني من كرب .. ومن همومٍ تضر المضرجاتِ
ألا فخيرني بالله خالقنا .. من ذا الذي جاد بالمعروف في الفلاتِ
فإرجع حميداً فقد بلغتنا منناً .. بوركت من سنامً رائحٍ غادي
فعندما انتهى عبيدة من أبياته إلتفت إليه الجمل وقال له أنا الشجاع ( الأفعى الضخمه ) :
أنا الشجاع الذي انقذتني من عطشٍ .. والله يكشف ضر الحادي الصادي
فجدت بالماء لما ضن حامله .. نصف النهار على الرمضاءِ في الوادي
والخير أبقى وإن طال الزمان به .. و الشر أخبث ما أوعيت من زادِ
هذا جزاءك منا لا يمن به .. لك الجميلُ علينا إنك البادي
وقالت العرب أن هذه أجمل أبيات الشعر في المعروف و رد الجميل ..
وعندما جاء زمن هارون الرشيد الخليفه العباسي بعد مئات السنين سأل الشعراء من الذي يقول هذا البيت :
الخير أبقى وإن طال الزمان به .. والشر أخبث ما أوعيت من زادِ
فأجابوه وأخبروه قصة هذا البيت من الشعر .. وعند سماع القصة أمر هارون الرشيد أن يضاف الى آخر قصة عبيدة الأبرص و الشجاع الضخم ( الأفعى العملاقة ) العبارة التالية التي اصبحت من أشهر الأمثال العربية :
" المعروف لا يضيع أينما وضع "
وإضافة هارون الرشيد لعبارة " المعروف لا يضيع أينما وضع " إعتبرها أدباء العرب من أجمل الإضافات الأدبية التي تدل على أن المعروف يبقى بين الخليقة الى يوم القيامة .
المصادر :
كتاب قصص العرب
وكتاب لسان العرب

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق