الثلاثاء، 21 فبراير 2023

الأخت التوأم بقلم عبده داود

الأخت التوأم
شباط 2023
رغم أحزان جوني التي تجذرت في أعماقه، كان يعتبر نزهته الصباحية صلاة يرجو من الله أن يرحم حبيبته التي أخذها الموت، فحرمه الحب الوحيد في حياته...
كان جوني يمتطي دراجته الهوائية في الصباح، يعبر عليها البساتين، تفرحه تراتيل البلابل وزقزقة العصافير، يتخيلها تمجد الخالق، وتشكره على شروق الشمس، وولادة يوم جديد... هو يؤمن بأن الله يسمع لغة الصمت، ويدرك كل لغات العالم...
جوني بنى سداً مانعاً أمام أي حب يحاول أن يتسلل لقلبه، حبيبته سوسن هي الحيدة التي يجب أن تملأ كيانه...
كانا طالبين بكلية التجارة في السنة الاخيرة، وكانا من أسعد الناس، ويؤمنان بأن الله هو الذي وحد بين قلبيهما، وقررا أن يتزوجا بعد تخرجهما...
عرفوها بالكلية ذكية، مجتهدة، جميلة جداً، وحكيمة... لكنها كثيرا ما كانت تشكو من أوجاع في رأسها، لذلك كانت تتناول مسكنات، فتمر الأمور بسلام، فتظن بأن الأمور عادية... ذلك اليوم، أحست بوجع شديد، بعدها سقطت على الأرض مغمى عليها.
أسعفها جوني مباشرة إلى المستشفى، وبعد اجراء الفحوصات اللازمة، تأكد الأطباء من وجود ورم في رأسها...
قال الأطباء: نسبة نجاح العمل الجراحي في منطقة الورم ضعيفة، لكن عدم اجراء العملية هو خطر محتوم...
خابر جوني أهل سوسن، جاء أبوها وأمها من بلدهم مرعوبين...
أجروا الجراحة للصبية، ولكن الفتاة توفت بعد أسبوع... فحلت الظلمة مكان النور، وغابت الشمس واختفى القمر، وذبلت الزهور. ومات الفرح في قلب أهلها وحبيبها...
مضت سنتان وأحزان الحبيب لا تفارق حياته، معتبراً أحزانه قدره في الحياة...
الذي حدث ذلك الصباح مختلف، خطر بباله أن يتنزه في منطقة لا يقصدها عادة، على حين غرة، رأى صبية تحتسي القهوة في حديقة منزل...
تجمد جوني، وبات مشدوها يحدق إلى فتاة تشبه سوسن الراحلة الشبه الكامل، جحظت عيناه، وشعر برهبة لم يعهدها سابقاً، وظن إنه يهذي وعليه أن يراجع طبيبا نفسياً، ثم قرر المتابعة هرباً من هواجسه، لكن الذي فاجأه هو صوت الفتاة التي جاءت قرب سور الحديقة وقالت له: تفضل أستاذ جوني، احتس قهوة الصباح معنا، أنت لست غريباً، أنت كنت خطيب أختي التؤام المرحومة سوسن، أنا أعرفك من الصور المعلقة في غرفتها...
سمعت الأم أرجه في الحديقة خرجت وعندما شاهدت جوني انهارت دموعها...
استيقظ الأب وخرج يستطلع الامر، وتفاجئ بوجود صديق سوسن عندهم، ضمه وغمره بالقبلات... وساد صمت حزين تكسره أصوات نحيب...
عرف جوني بأن العائلة انتقلت إلى هذه البلدة، بعدما تقاعد الأب وأحب أن يسكن في الريف في هذا المنزل ذو الحديقة الواسعة الذي ورثته أم سوسن من أهلها... وكان يقول: نحن نحب أن نزرع الورود التي كانت سوسن تحبها...
طالت الجلسة، وطالت أحاديث الماضي، وذكريات المرحومة سوسن التي كانت حياة العائلة، فأضحت اللحن الحزين القاطن في قلوب أهلها والجميع، أحزان تبللها الدموع.
نهض جوني مستأذناً، لكن تحت رجاء جميع أفراد العائلة، الذين شعروا بأن أحزان جوني لا تقل عن أحزانهم... ترجوه أن يزورهم دائماً لأنه فرد من العائلة وأحزانها...
وفعلا، تكررت الزيارات، ومع الأيام نمت مشاعر الحب في قلب هدى التي أحبت جوني وتمنته حبيباً لها...
كذلك جوني سمح إلى هدى بولوج قلبه.
لكنه استغرب هذا الشعور وكان يعاتب ذاته على هذه المشاعر التي بدأت تفرحه...
لكن الحب سلطان، لا بد له أن ينتصر، ولا بد للعيون أن تحمله من العميق إلى السطح...
تقدم جوني لخطوبة هدى، جرت مشاورات عائلية مكثفة، قال الأب: يا ابني جوني محبتك كبيرة في قلوبنا، وأنت هو الشاب المناسب لابنتنا هدى، ولن نجد شاباً يناسب عائلتنا أفضل منك... لكننا بكل أسف غير موافقين على هذه الخطوبة، لا يحق لنا أن نظلم هدى...
ابنتنا غالية علينا، ويجب أن تسكن في قلب خالي، بينما قلبك مسكونا يملأه حب سوسن...نحن نخشى إنك احببت هدى، لأنها تذكرك بسوسن، لذلك نحن آسفون لا نصيب لك عندنا...
لكن تحت الحاح هدى ودموعها، وافقت العائلة على مضض، قبول جوني عريساً لابنتهم.
جوني كان يشعر بالألم فعلا، كلما تشابكت عيناه مع عيني هدى، يتذكر نظرات سوسن وكان يقول ساعدني يا ربي، أنا اليوم خطيب هدى، ولا يحق لقلبي أن تسكنه غير هدى... هذه مشيئة الله
وضمن حفل بسيط اقتصر على الأهل والأقارب تكلل الخطيبان في كنيسة الضيعة، وانتقلت هدى لتعيش في دار الزوجية...
رزق الله العروسين صبي وبنت، وفرحت الدار وأهل الدار وخاصة جوني كان يقول بالفعل أعظم حب في الدنيا هو حب الأولاد، وحدهم الأولاد الذين يعيدون فرح الحياة إلى القلوب المتعبة، شكرا لله...
القاص: عبده داود

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

مشاركة مميزة

ظلك ثقيل بقلم نجية مهدي

ظلك ثقيل لِمَ تجلس قبالتي الحافلة فارغة.! نجية مهدي